إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٣ - بيان
فاعلم أنه لو كان مع هذا يشاء إن أراد أن يشاء،و لا يشاء إن لم يرد أن يشاء لكان هذا مزلة القدم و موقع الغلط.و لكن علم أنه يفعل ما يشاء إذا شاء أن يشأ أم لم يشأ،فليست المشيئة إليه.إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيئة أخرى،و تسلسل إلى غير نهاية.و إذا لم تكن المشيئة إليه،فمهما وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة،و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة.فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة متحركة ضرورة عند انجزام المشيئة.فالمشيئة تحدث ضرورة في القلب.فهذه ضرورات ترتب بعضها على بعض،و ليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة،و لا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها،و لا وجود الحركة بعد بعث المشيئة للقدرة،فهو مضطر في الجميع فإن قلت:فهذا جبر محض، و الجبر يناقض الاختيار،و أنت لا تنكر الاختيار،فكيف يكون مجبورا مختارا؟ فأقول لو انكشف الغطاء لعرفت أنه في عين الاختيار مجبور.فهو إذا مجبور على الاختيار، فكيف يفهم هذا من لا يفهم الاختيار؟فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحا وجيزا، يليق بما ذكر متطفلا و تابعا،فإن هذا الكتاب لم نقصد به إلا علم المعاملة و لكني أقول:
لفظ الفعل في الإنسان يطلق على ثلاثة أوجه:إذ يقال الإنسان يكتب بالأصابع، و يتنفس بالرئة و الحنجرة،و يخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه.فينسب إليه الخرق في الماء، و التنفس،و الكتابة،و هذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار و الجبر واحدة،و لكنها تختلف وراء ذلك في أمور،فأعرب لك عنها بثلاث عبارات:فنسمى خرقه للماء عند وقوعه على وجهه فعلا طبيعيا.و نسمي تنفسه فعلا إراديا، و نسمي كتابته فعلا اختياريا و الجبر ظاهر في الفعل الطبيعي،لأنه مهما وقف على وجه الماء،أو تخطي من السطح للهواء،انخرق الهواء لا محالة،فيكون الخرق بعد التخطي ضروريا و التنفس في معناه،فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفس،كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن.فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده.و ليس الثقل إليه،و كذلك الإرادة ليست إليه.و لذلك لو قصد عين الإنسان بإبرة طبق الأجفان اضطرارا،و لو أراد أن يتركها مفتوحة لم يقدر،مع أن تغيض الأجفان اضطرارا فعل إرادي،و لكنه إذا