إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - بيان
كل فاقد المال فإنا نسميه فقيرا بالإضافة إلى المال الذي فقده،إذا كان ذلك المفقود محتاجا إليه في حقه.ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند الفقر،و نحن نميزها و نخصص كل حال باسم،لنتوصل بالتمييز إلى ذكر أحكامها الحالة الأولى:و هي العليا ،أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه و تأذى به،و هرب من أخذه،مبغضا له،و محترزا من شره و شغله،و هو الزهد،و اسم صاحبه الزاهد الثانية:أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح لحصوله،و لا يكرهه كراهة يتأذى بها و يزهد فيه لو أتاه،و صاحب هذه الحالة يسمى راضيا الثالثة:أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه،لرغبة له فيه.و لكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه ،بل إن أتاه صفوا عفوا أحده و فرح به،و إن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به.و صاحب هذه الحالة نسميه قانعا،إذا قنع نفسه بالموجود حتى ترك الطلب، مع ما فيه من الرغبة الضعيفة الرابعة:أن يكون تركه الطلب لعجزه،و إلا فهو راغب فيه رغبة لو وجد سبيلا إلى طلبه و لو بالتعب لطلبه،أو هو مشغول بالطلب.و صاحب هذه الحالة نسميه بالحريص الخامسة:أن يكون ما فقده من المال مضطرا إليه،كالجائع الفاقد للخبز و العاري الفاقد للثوب.و يسمى صاحب هذه الحالة مضطرا،كيفما كانت رغبته في الطلب إما ضعيفة و إما قوية.و قلما تنفك هذه الحالة عن الرغبة فهذه خمسة أحوال،أعلاها الزهد.و الاضطرار إن انضم إليه الزهد،و تصوّر ذلك.
فهو أقصى درجات الزهد كما سيأتي بيانه .و وراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزهد،و هي أن يستوي عنده وجود المال و فقده .فإن وجده لم يفرح به و لم يتأذ.
و إن فقده فكذلك .بل حاله كما كان حال عائشة رضي اللّه تعالى عنها،إذ أتاها مائة ألف درهم من العطاء،فأخذتها و فرقتها من يومها،فقالت خادمتها:ما استطعت فيما فرقت اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟فقالت لو ذكرتينى لفعلت فمن هذه حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده و خزائنه لم تضره،إذ هو يرى الأموال في خزانة اللّه تعالى لا في يد نفسه،فلا يفرّق بين أن تكون في يده أو في يد غيره.