إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - بيان
و ينبغي أن يسمى صاحب هذا الحالة المستغنى،لأنه غني عن فقد المال و وجوده جميعا و ليفهم من هذا الاسم معنى يفارق اسم الغنى المطلق على اللّه تعالى،و على من كثر ماله من العباد.فإن من كثر ماله من العباد و هو يفرح به؟فهو فقير إلى بقاء المال في يده،و إنما هو غني عن دخول المال في يده،لا عن بقائه.فهو إذا فقير من وجه.و أما هذا الشخص فهو غني عن دخول المال في يده،و عن بقائه في يده،و عن خروجه من يده أيضا،فإنه ليس يتأذى به ليحتاج إلى إخراجه،و ليس يفرح به ليحتاج إلى بقائه،و ليس فاقدا له ليحتاج إلى الدخول في يده.فغناه إلى العموم أميل.فهو إلى الغنى الذي هو وصف اللّه تعالى أقرب.و إنما قرب العبد من اللّٰه تعالى بقرب الصفات،لا بقرب المكان و لكنا لا نسمي صاحب هذه الحالة غنيا،بل مستغنيا،ليبقى الغنى اسما لمن له الغنى المطلق عن كل شيء.و أما هذا العبد فإن استغنى عن المال وجودا أو عدما،فلم يستغن عن أشياء أخر سواه،و لم يستغن عن مدد توفيق اللّه له ليبقى استغناؤه الذي زين اللّه به قلبه،فإن القلب المقيد بحب المال رقيق،و المستغنى عنه حر ،و اللّه تعالى هو الذي أعتقه من هذا الرق،فهو محتاج إلى دوام هذا العتق.و القلوب متقلبة بين الرق و الحرية في أوقات متقاربة لأنها بين إصبعين من أصابع الرحمن.فلذلك لم يكن اسم الغنى مطلقا عليه مع هذا الكمال إلا مجازا و اعلم أن الزهد درجة هي كمال الأبرار.و صاحب هذه الحالة من المقربين،فلا جرم صار الزهد في حقه نقصانا،إذا حسنات الأبرار سيئات المقربين.و هذا لأن الكارة للدنيا مشغول بالدنيا،كما أن الراغب فيها مشغول بها.و الشغل بما سوى اللّه تعالى حجاب عن اللّه تعالى،إذ لا بعد بينك و بين اللّه تعالى حتى يكون البعد حجابا،فإنه أقرب إليك من حبل الوريد،و ليس هو في مكان حتى تكون السموات و الأرض حجابا بينك و بينه فلا حجاب بينك و بينه إلا شغلك بغيره.و شغلك بنفسك و شهواتك شغل بغيره،و أنت لا تزال مشغولا بنفسك و بشهوات نفسك،فكذلك لا تزال محجوبا عنه.فالمشغول بحب نفسه مشغول عن اللّه تعالى.و المشغول ببغض نفسه أيضا مشغول عن اللّه تعالى .بل كل ما سوى اللّه مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق و المعشوق،فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب،و إلى بغضه