إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤١ - بيان
و السرور بمجرد القدوم،فضلا عما يستحقه من لطائف الإكرام و بدائع الإنعام و أما الخاتمة الثانية التي هي دون الأولى،و ليست مقتضيه للخلود في النار،فلها أيضا سببان:أحدهما كثرة المعاصي و إن قوي الإيمان،و الآخر ضعف الإيمان و إن قلت المعاصي.و ذلك لأن مقارنة المعاصي سببها غلبة الشهوات و رسوخها في القلب،بكثرة الإلف و العادة.و جميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته.فإن كان ميله الأكثر إلى الطاعات،كان أكثر ما يحضره ذكر طاعة اللّه و إن كان ميله الأكثر إلى المعاصي،غلب ذكرها على قلبه عند الموت.فربما تقبض روحه عند غلبة شهوة من شهوات الدنيا،و معصية من المعاصي،فيتقيد بها قلبه،و يصير محجوبا عن اللّه تعالى.فالذي لا يقارف الذنب إلا الفيئة بعد الفيئة،فهو أبعد عن هذا الخطر.و الذي لم يقارف ذنبا أصلا،فهو بعيد جدا عن هذا الخطر.و الذي غلبت عليه المعاصي،و كانت أكثر من طاعاته،و قلبه بها أفرح منه بالطاعات،فهذا الخطر عظيم في حقه جدا و نعرف هذا بمثال.و هو أنه لا يخفى عليك أن الإنسان يرى في منامه جملة من الأحوال التي عهدها طول عمره،حتى أنه لا يرى إلا ما يماثل مشاهداته في اليقظة،و حتى أن المراهق الذي يحتلم لا يرى صورة الوقاع إذا لم يكن قد واقع في اليقظة،و لو بقي كذلك مدة لما رأى عند الاحتلام صورة الوقاع.ثم لا يخفى أن الذي قضى عمره في الفقه،يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم و العلماء أكثر مما يراه التاجر الذي قضى عمره في التجارة.و التاجر يرى من الأحوال المتعلقة بالتجارة و أسبابها أكثر مما يراه الطبيب و الفقيه،لأنه إنما يظهر في حالة النوم ما حصل له مناسبة مع القلب بطول الإلف،أو بسبب آخر من الأسباب.
و الموت شبيه النوم،و لكنه فوقه.و لكن سكرات الموت و ما يتقدمه من الغشية قريب من النوم،فيقتضى ذلك تذكر المألوف،و عوده إلى القلب و أحد الأسباب المرجحة لحصول ذكره في القلب طول الإلف.فطول الإلف بالمعاصي و الطاعات أيضا مرجح و كذلك تخالف أيضا منامات الصالحين منامات الفساق.فتكون غلبة الإلف سبب لأن تتمثل صورة فاحشة في قلبه و تميل إليها نفسه،فربما تقبض عليها روحه،فيكون ذلك سبب سوء خاتمته