إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٧ - بيان
هو خير.فأولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى،فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين و أما المخلصون فإن اللّه تعالى اشترى منهم أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة.فلما رأوا أنهم تركوا تمتع عشرين سنة مثلا،أو ثلاثين سنة،بتمتع الأبد،استبشروا ببيعهم الذي بايعوا به فهذا بيان المزهود فيه.و إذا فهمت هذا علمت أن ما ذكره المتكلمون في حد الزهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه.فذكر كل واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه،أو على من كان يخاطبه.
فقال بشر رحمه اللّه تعالى:الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس و هذا إشارة إلى الزهد في الجاه خاصة و قال قاسم الجوعى:الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف.فبقدر ما تملك من بطنك كذلك تملك من الزهد.و هذا إشارة إلى الزهد في شهوة واحدة.و لعمري هي أغلب الشهوات على الأكثر،و هي المهيجة لأكثر الشهوات و قال الفضيل:الزهد في الدنيا هو القناعة.و هذا إشارة إلى المال خاصة و قال الثوري:الزهد هو قصر الأمل.و هو جامع لجميع الشهوات.فإن من يميل إلى الشهوات يحدث نفسه بالبقاء،فيطول أمله.و من قصر أمله فكأنه رغب عن الشهوات كلها و قال أويس:إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه.و ما قصد بهذا حد الزهد، و لكن جعل التوكل شرطا في الزهد.و قال أويس أيضا:الزهد هو ترك الطلب للمضمون.و هو إشارة إلى الرزق.و قال أهل الحديث:الدنيا هو العمل بالرأي و المعقول و الزهد إنما هو اتباع العلم و لزوم السنة.و هذا إن أريد به الرأي الفاسد و المعقول الذي يطلب به الجاه في الدنيا،فهو صحيح.و لكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة،أو إلى بعض ما هو من فضول الشهوات.فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة،و قد طولوها حتى ينقضي عمر الإنسان في الاشتغال بواحد منها.فشرط الزاهد أن يكون الفضول أوّل مرغوب عنه عنده.و قال الحسن.الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال هذا أفضل منى فذهب إلى أن الزهد هو التواضع.و هذا إشارة إلى نفي الجاه و العجب،و هو بعض أقسام الزهد و قال بعضهم:الزهد هو طلب الحلال.و أين هذا ممن يقول الزهد هو ترك الطلب، كما قال أويس،و لا شك في أنه أراد به ترك طلب الحلال