إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٨ - بيان
الجبروت،و قرع بابا من أبواب الملكوت،كوشف بالقلم.أما ترى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم في أول أمره كوشف بالقلم،إذ أنزل عليه (اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسٰانَ مٰا لَمْ يَعْلَمْ [١]) فقال السالك:لقد فتحت بصرى و حدقته،فو اللّه ما أرى قصبا و لا خشبا،و لا أعلم قلما إلا كذلك.فقال العلم.لقد أبعدت النجعة. أما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت؟أما علمت أن اللّه تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات،فكذلك لا تشبه يده الأيدي و لا قلمه الأقلام،و لا كلامه سائر الكلام،و لا خطه سائر الخطوط؟و هذه أمور إلهية من عالم الملكوت.فليس اللّه تعالى في ذاته بجسم،و لا هو في مكان،بخلاف غيره.و لا يده لحم و عظم و دم،بخلاف الأيدي.و لا قلمه من قصب.و لا نوحه من خشب،و لا كلامه بصوت و حرف،و لا خطه رقم و رسم و لا حبرة زاج و عفص.فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا فما أراك إلا مخنثا بين فحولة التنزيه،و أنوثة التشبيه،مذبذبا بين هذا و ذا، لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء.فكيف نزهت ذاته و صفاته تعالى عن الأجسام و صفاتها، و نزهت كلامه عن معانى الحروف و الأصوات،و أخذت تتوقف في يده،و قلمه،و لوحه، و خطه؟فإن كنت قد فهمت من قوله صلى اللّه عليه و سلم«إنّ اللّه خلق آدم على صورته» الصورة الظاهرة المدركة بالبصر،فكن مشبها مطلقا، كما يقال كن يهوديا صرفا.و إلا فلا تلعب بالتوراة،و إن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر لا بالأبصار، فكن منزها صرفا،و مقدسا فحلا، و اطو الطريق فإنك بالواد المقدس طوى،و استمع بسر قلبك لما يوحى،فلعلك تجد على النار هدى،و لعلك من سرادقات العرش تنادي بما نودي به موسى (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [٢]) فلما سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه.و أنه مخنث بين التشبيه و التنزيه، فاشتمل قلبه نارا من حدة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص،و لقد كان زيته الذي في مشكاة قلبه يكاد يضيء و لو لم تمسسه نار،فلما نفخ فيه العلم بحدته اشتعل زيته فأصبح نورا على نور. فقال له العلم:اغتنم الآن هذه الفرصة،و افتح بصرك،لعلك تجد على النار هدى ففتح بصره
[١] العلق:٣،٤،٥
[٢] طه:١٢