إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠ - بيان
و هو بالسؤال تارك للأولى.و لا يسمى سؤاله مكروها مهما صدق في السؤال:و قال ليس تحت جبتي قميص،و البرد يؤذيني أذى أطيقه،و لكن يشق عليّ.فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله إن شاء اللّه تعالى و أما الحاجة الخفيفة فمثل سؤاله قميصا ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه،ليستر الخروق من ثيابه عن أعين الناس،و كمن يسأل لأجل الأدم و هو واجد للخبز.و كمن يسأل الكراء لفرس في الطريق و هو واجد كراء الحمار.أو يسأل كراء المحمل و هو قادر على الراحلة.
فهذا و نحوه إن كان فيه تلبيس حال بإظهار حاجة غير هذه فهو حرام.و إن لم يكن و كان فيه شيء من المحذورات الثلاثة ،من الشكوى،و الذل،و إيذاء المسئول فهو حرام،لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات.و إن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح من الكراهة فإن قلت:فكيف يمكن إخلاء السؤال عن هذه المحذورات؟ فاعلم أن الشكوى تندفع بأن يظهر الشكر للّٰه و الاستغناء عن الخلق،و لا يسأل سؤال محتاج،و لكن يقول:أنا مستغن بما أملكه،و لكن تطالبنى رعونة النفس بثوب فوق ثيابي،و هو فضلة عن الحاجة و فضول من النفس.فيخرج به عن حد الشكوى و أما الذل فبأن يسأل أباه،أو قريبه،أو صديقه الذي يعلم أنه لا ينقصه ذلك في عينه، و لا يزدريه بسبب سؤاله ،أو الرجل السخي الذي قد أعدّ ماله لمثل هذه المكارم،فيفرح بوجود مثله، و يتقلد منه منّة بقبوله،فيسقط عنه الذل بذلك.فإن الذل لازم للمنّة لا محالة و أما الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعين شخصا بالسؤال بعينه،بل يلقى الكلام عرضا،بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرع بصدق الرغبة.و إن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام،فهذا إيذاء،فإنه ربما يبذل كرها خوفا من الملامة،و يكون الأحب إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير الملامة.و أما إذا كان يسأل شخصا معينا فينبغي أن لا يصرح،بل يعرض تعريضا يبقى له سبيلا إلى التغافل إن أراد.فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته،و أنه غير متأذّ به .و ينبغي أن يسأل من لا يستحي منه لو ردّه أو تغافل عنه،فإن الحياء من السائل يؤذى،كما أن الرياء مع غير السائل يؤذى