إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩ - بيان
و الفواكه فهو أيضا زاهد،و لكنه دون الأوّل.و الذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض،كالذي يترك المال دون الجاه،أو يترك التوسع في الأكل و لا يترك التجمل في الزينة،فلا يستحق اسم الزاهد مطلقا.و درجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين.و هو زهد صحيح.كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة.فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات،و الزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس و لا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض،كما لا يبعد ذلك في المحظورات .و المقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهدا،و إن كان قد زهد في المحظور و انصرف عنه،و لكن العادة تخصص هذا الاسم بترك المباحات.فإذا الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولا إلى الآخرة،أو عن غير اللّٰه تعالى عدولا إلى اللّٰه تعالى،و هي الدرجة العليا.و كما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده ،فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه فإنّ ترك ما لا يقدر عليه محال.و بالترك يتبين زوال الرغبة.و لذلك قيل لابن المبارك يا زاهد فقال الزاهد عمر بن عبد العزيز،إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها،و أما أنا ففيما ذا زهدت؟ و أما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال،فهو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ،كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه.و ما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع.فكذلك من عرف أن ما عند اللّٰه باق،و أن الآخرة خير و أبقى أي لذاتها خير في أنفسها و أبقى،كما تكون الجواهر خيرا و أبقى من الثلج مثلا، و لا يعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر و اللآلئ.فهكذا مثال الدنيا و الآخرة .فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض،و الآخرة كالجوهر الذي لا فناء له فبقدر قوّة اليقين و المعرفة بالتفاوت بين الدنيا و الآخرة،تقوى الرغبة في البيع و المعاملة حتى أن من قوي يقينه يبيع نفسه و ماله،كما قال اللّٰه تعالى (إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [١]) ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ [٢]) فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر،و هو أن الآخرة خير و أبقى .و قد
[١] التوبة:١١١
[٢] التوبة:١١١