إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠ - بيان
يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه و يقينه،و إما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه،و كونه مقهورا في يد الشيطان،و إما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم،إلى أن يختطفه الموت،و لا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت و إلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى (قُلْ مَتٰاعُ الدُّنْيٰا قَلِيلٌ [١]) و إلى تعريف نفلسة الآخرة الإشارة بقوله عز و جل (وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اللّٰهِ خَيْرٌ [٢]) فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه و لما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة و رغبة عن المحبوب في أحب منه،[١]قال رجل في دعائه اللهم أرني الدنيا كما تراها.فقال له النبي صلى اللّٰه عليه و سلم«لا تَقُلْ هَكَذَا وَ لَكِنْ قُلْ أَرِنِى الدُّنْيَا كَمَا أَرَيْتَهَا الصَّالِحينَ مِنْ عِبَادِكَ»و هذا لأن اللّٰه تعالى يراها حقيرة كما هي،و كل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقير.و العبد يراها حقيرة في حق نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له.و لا يتصوّر أن يرى بائع الفرس و إن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلا لأنه مستغنى عن الحشرات أصلا،و ليس مستغنيا عن الفرس.و اللّٰه تعالى غني بذاته عن كل ما سواه،فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله و يراه متفاوتا بالإضافة إلى غيره.
و الزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره و أما العمل الصادر عن حال الزهد،فهو ترك واحد،لأنه بيع،و معاملة،و استبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى .فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع،و إخراجه من اليد، و أخذ العوض،فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية،و هي الدنيا بأسرها مع أسبابها، و مقدماتها،و علائقها،فيخرج من القلب حبها،و يدخل حب الطاعات،و يخرج من العين و اليد ما أخرجه من القلب،و يوظف على اليد و العين و سائر الجوارح وظائف الطاعات.
و إلا كان كمن سلم المبيع و لم يأخذ الثمن.فإذا وفّى بشرط الجانبين في الأخذ و الترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به،فإن الذي بايعه بهذا البيع وفّى بالعهد .فمن سلم حاضرا في غائب،و سلم الحاضر
[١] النساء:٧٧
[٢] القصص:٨٠