إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - بيان
و أخذ يسعى في طلب الغائب،سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه،و قدرته.و وفائه بالعهد.و ما دام ممسكا للدنيا لا يصح زهده أصلا و لذلك لم يصف اللّه تعالى إخوة يوسف بالزهد في بنيامين.و إن كانوا قد قالوا ليوسف و أخوه أحب إلى أبينا منا، و عزموا على إبعاده كما عزموا على يوسف،حتى تشفع فيه أحدهم فترك.و لا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه،بل عند التسليم و البيع فعلامة الرغبة الإمساك،و علامة الزهد الإخراج.فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط،و لست زاهدا مطلقا.و إن لم يكن لك مال و لم تساعدك الدنيا،لم يتصوّر منك الزهد،لأن ما لا يقدر عليه لا يقدر على تركه.و ربما يستهويك الشيطان بغروره،و يخيل إليك أن الدنيا و إن لم تأتك فأنت زاهد فيها،فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق و تستظهر بموثق غليظ من اللّه.فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها .فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها،فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر و لا خوف من الخلق وقع فيها.و إذا كان هذا غرور النفس في المحظورات،فإياك أن تثق بوعدها في المباحات.و الموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة.فإذا وفت بما وعدت على الدوام،مع انتفاء الصوارف و الأعذار ظاهرا و باطنا،فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما.و لكن تكون من تغيرها أيضا على حذر فإنها سريعة النقض للعهد،قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع.
و بالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط،و ذلك عند القدرة قال ابن أبي ليلى لابن شبرمة:ألا ترى إلى ابن الحائك هذا لا تفتي في مسألة إلا رد علينا؟يعنى أبا حنيفة .فقال ابن شبرمة:لا أدرى أ هو ابن الحائك أم ما هو؛لكن أعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها،و هربت منا فطلبناها.و كذلك[١]قال جميع المسلمين على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:إنا نحب ربنا،و لو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه،حتى نزل قوله تعالى (وَ لَوْ أَنّٰا كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيٰارِكُمْ مٰا فَعَلُوهُ إِلاّٰ قَلِيلٌ مِنْهُمْ [١])
[١] النساء:٦٦