إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - درجات الادخار
و أما أدب ظاهره،
فأن يظهر التعفف و التجمل،و لا يظهر الشكوى و الفقر ،بل يستر فقره،و يستر أنه يستره.ففي الحديث«إنّ اللّه تعالى يحبّ الفقير المتعفّف أبا العيال» و قال تعالى (يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [١]) و قال سفيان.أفضل الأعمال التجمل عند المحنة.و قال بعضهم:ستر الفقر من كنوز البر
و أما في أعماله،
فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه،بل يتكبر عليه.قال علي كرم اللّه وجهه.ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب اللّه تعالى،و أحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة باللّه عز و جل.فهذه رتبة و أقل منها أن لا يخالط الأغنياء و لا يرغب في مجالستهم،لأن ذلك من مبادى الطمع.قال الثوري رحمه اللّه:إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه هراء.و إذا خالط السلطان فاعلم أنه لص.و قال بعض العارفين:إذا خالط الفقير الأغنياء انحلت عروته،فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته،فإذا سكن إليهم ضل و ينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحق مداهنة للأغنياء،و طمعا في العطاء
و أما أدبه في أفعاله
فإن لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة،و لا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل،و فضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غنى.[١]روى زيد ابن أسلم قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم«درهم من الصّدقة أفضل عند اللّه من مائة ألف درهم»قيل و كيف ذلك يا رسول اللّه؟قال«أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف درهم فتصدّق بها و أخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيّبة به نفسه فصار صاحب الدّرهم أفضل من صاحب المائة ألف»
[درجات الادخار]
و ينبغي أن لا يدخر مالا،بل يأخذ قدر الحاجة و يخرج الباقي.و في الادخار ثلاث درجات إحداها:أن لا يدخر إلا ليومه و ليلته،و هي درجة الصديقين و الثانية:أن يدخر لأربعين يوما،فإن ما زاد عليه داخل في طول الأمل.و قد فهم العلماء
[١] البقرة:٢٧٣