إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣١ - بيان
،لأنه لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار اللّه تعالى و خفايا أفعاله،و معانى صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر عنها بالمكر.و ما لأحد من البشر الوقوف على كه صفات اللّه تعالى.
و من عرف حقيقة المعرفة،و قصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور،عظم خوفه لا محالة و لذلك قال المسيح صلى اللّه عليه و سلم،لما قيل له (أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ قٰالَ سُبْحٰانَكَ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مٰا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِي وَ لاٰ أَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِكَ [١]) و قال (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبٰادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [٢]) الآية،فوض الأمر إلى المشيئة،و أخرج نفسه بالكلية من البين،لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء،و أن الأمور مرتبطة بالمشيئة،ارتباطا يخرج عن حد المعقولات و المألوفات،فلا يمكن الحكم عليها بقياس،و لا حدس؛و لا حسبان، فضلا عن التحقيق و الاستيقان و هذا هو الذي قطع قلوب العارفين،إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك إن أهلك،فقد أهلك أمثالك ممن لا يحصى،و لم يزل في الدنيا يعذبهم بأنواع الآلام و الأمراض،و يمرض مع ذلك قلوبهم بالكفر و النفاق،ثم يخلد العقاب عليهم أبد الآباد،ثم يخبر عنه و يقول (وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا وَ لٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ [٣]) و قال تعالى (وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [٤]) الآية فكيف لا يخاف ما حق من القول في الأزل،و لا يطمع في تداركه،و لو كان الأمر آنفا لكانت الأطماع تمتد إلى حيلة فيه،و لكن ليس إلا التسليم فيه،و استقراء خفي السابقة من جلى الأسباب الظاهرة على القلب و الجوارح.فمن يسرت له أسباب الشر،و حيل بينه و بين أسباب الخير،و أحكمت علاقته من الدنيا،فكأنه كشف له على التحقيق سر السابقة التي سبقت له بالشقاوة.إذ كل ميسر لما خلق له.و إن كانت الخيرات كلها ميسرة، و القلب بالكلية عن الدنيا منقطعا،و بظاهره و باطنه على اللّه مقبلا،كان هذا يقتضي تخفيف الخوف،لو كان الدوام على ذلك موثوقا به.و لكن خطر الخاتمة و عسر الثبات يزيد نيران
[١] المائدة:١١٦
[٢] المائدة:١١٨
[٣] السجدة:١٣
[٤] هود:١١٩