إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٠ - بيان
الآية،و كذلك قوله تعالى (وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ [١]) إلى آخر السورة،فهذه أربعة شروط للخلاص من الخسران و إنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم،لأنهم لم يأمنوا مكر اللّه تعالى، و لا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون،حتى روي[١]أن النبي و جبريل عليهما الصلاة و السلام بكيا خوفا من اللّه تعالى،فأوحى اللّه إليهما لم تبكيان و قد أمنتكما؟فقالا:و من يأمن مكرك!و كأنهما إذ علما أن اللّه هو علام الغيوب،و أنه لا وقوف لهما على غاية الأمور لم يأمنا أن يكون قوله قد أمنتكما ابتلاء و امتحانا لهما،و مكرا بهما،حتى إن سكن خوفهما ظهر أنهما قد أمنا من المكر،و ما وفيّا بقولهما كما أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لما وضع في المنجنيق،قال حسبي اللّه.و كانت هذه من الدعوات العظام،فامتحن و عورض بجبرئيل في الهواء،حتى قال أ لك حاجة؟فقال أما إليك فلا.فكان ذلك وفاء بحقيقة قوله حسبي اللّه.فأخبر اللّه تعالى عنه فقال (وَ إِبْرٰاهِيمَ الَّذِي وَفّٰى [٢]) أي بموجب قوله حسبي اللّه.
و بمثل هذا أخبر عن موسى صلى اللّه عليه و سلم حيث قال (إِنَّنٰا نَخٰافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنٰا أَوْ أَنْ يَطْغىٰ قٰالَ لاٰ تَخٰافٰا إِنَّنِي مَعَكُمٰا أَسْمَعُ وَ أَرىٰ [٣]) و مع هذا لما ألقى السحرة سحرهم أوجس موسى في نفسه خيفة،إذ لم يأمن مكر اللّه،و التبس الأمر عليه حتى جدد عليه الأمن و قيل (لاٰ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلىٰ [٤]) و لما ضعفت شوكة المسلمين[٢]يوم بدر،قال صلى اللّه عليه و سلم«اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك»فقال أبو بكر رضي اللّه عنه:دع عنك مناشدتك ربك،فإنه و اف لك بما وعدك.فكان مقام الصديق رضي اللّه عنه مقام الثقة بوعد اللّه،و كان مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مقام الخوف من مكر اللّه،و هو أتم
[١] العصر:٢٠١
[٢] النجم:٣٧
[٣] طه:٤٥،٤٦
[٤] طه:٦٨