إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٠ - بيان
القلوب، و السيف إنما يصيب جسم البدن و هو القشرة.و إنما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده.و كما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا، فإنها تصون اللب و تحرسه عن الفساد عند الادخار،و إذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب.و كذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرد نطق اللسان.ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف و المشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر و انفساحه،و إشراق نور الحق فيه.إذ ذاك الشرح هو المراد بقوله تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ [١]) و بقوله عز و جل (أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢]) و كما أن اللب نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر،و كله المقصود،و لكنه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه،فكذلك توحيد الفعل مقصد عال للسالكين،لكنه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير،و الالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق فإن قلت:كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا،و هو يشاهد السماء،و الأرض،و سائر الأجسام المحسوسة و هي كثيرة،فكيف يكون الكثير واحدا؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات.و أسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر. ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة.نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن و هو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة و اعتبار،و يكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة و الاعتبار.و هذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه،و جسده،و أطرافه و عروقه،و عظامه،و أحشائه،و هو باعتبار آخر و مشاهدة أخرى واحد،إذ نقول إنه إنسان واحد.فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد.و كم من شخص يشاهد إنسانا و لا يخطر بباله كثيرة أمعائه،و عروقه،و أطرافه،و تفصيل روحه،و جسده،و أعضائه.و الفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق و الاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق،و كأنه في عين الجمع،و الملتفت إلى الكثرة في تفرقة
[١] الأنعام:١٢٥
[٢] الزمر:٢٢