إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٢
الطفل بيديه إلى أمه،و سكون قلبه إلى تمام شفقتها. و قال أبو علي الدقاق:التوكل ثلاث درجات:التوكل،ثم التسليم،ثم التفويض.فالمتوكل يسكن إلى وعده،و المسلّم يكتفى بعلمه،و صاحب التفويض يرضى بحكمه. و هذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه،فإن العلم هو الأصل،و الوعد يتبعه،و الحكم يتبع الوعد.و لا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ملاحظة شيء من ذلك. و للشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها،فإن الكشف أنفع من الرواية و النقل.فهذا ما يتعلق بحال التوكل، و اللّه الموفق برحمته و لطفه
بيان
أعمال المتوكلين
اعلم أن العلم يورث الحال،و الحال يثمر الأعمال. و قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن،و ترك التدبير بالقلب،و السقوط على الأرض كالخرقة الملقاة،و كاللحم على الوضم، و هذا ظن الجهال.فإن ذلك حرام في الشرع،و الشرع قد أثنى على المتوكلين،فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين!بل نكشف الغطاء عنه و نقول:
إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد و سعيه بعلمه إلى مقاصده،و سعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب،أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار،أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل و السارق و السباع،أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوى من المرض.فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة،و هو جلب النافع،أو حفظه،أو دفع الضار أو قطعه.فلنذكر شروط التوكل و درجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع.الفن الأول:في جلب النافع فنقول فيه:
الأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات:مقطوع به،و مظنون ظنا يوثق به، و موهوم و هما لا تثق النفس به ثقة تامة،و لا تطمئن إليه.الدرجة الأولى:المقطوع به. و ذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير اللّه و مشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف.كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك،و أنت جائع محتاج،و لكنك لست تمد إليه اليد و تقول أنا متوكل،و شرط التوكل ترك السعي،و مد اليد إليه سعي و حركة،