إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٢ - بيان
و إن كان أصل الإيمان باقيا بحيث يرجى له الخلاص منها و كما أن ما يخطر في اليقظة إنما يخطر بسبب خاص يعلمه اللّه تعالى،فكذلك آحاد المنامات لها أسباب عند اللّه تعالى،نعرف بعضها و لا نعرف بعضها.كما أنا نعلم أن الخاطر ينتقل من الشيء إلى ما يناسبه إما بالمشابهة،و إما بالمضادة،و إما بالمقارنة،بأن يكون قد ورد على الحس منه أما بالمشابهة:فبأن ينظر إلى جميل فيتذكر جميلا آخر و أما بالمضادة:فبأن ينظر إلى جميل فيتذكر قبيحا و يتأمل في شدة التفاوت بينهما و اما بالمقارنة:فبأن ينظر إلى فرس قد رآه من قبل مع إنسان،فيتذكر ذلك الإنسان و قد ينتقل الخاطر من شيء إلى شيء،و لا يدرى وجه مناسبته له.و إنما يكون ذلك بواسطة و واسطتين مثل أن ينتقل من شيء إلى شيء ثان،و منه إلى شيء ثالث،ثم ينسى الثاني، و لا يكون بين الثالث و الأول مناسبة،و لكن يكون بينه و بين الثاني مناسبة، و بين الثاني و الأول مناسبة.فكذلك لانتقالات الخواطر في المنامات أسباب من هذا الجنس و كذلك عند سكرات الموت فعلى هذا،و العلم عند اللّه،من كانت الخياطة أكثر أشغاله،فإنك تراه يومئ إلى رأسه كأنه يأخذ إبرته ليخيط بها،و يبل إصبعه التي لها عادة بالكستبان،و يأخذ الإزار من فوقه،و يقدره و يشبره و كأنه يتعاطى تفصيله،ثم يمدّ يده إلى المقراض و من أراد أن يكف خاطره عن الانتقال عن المعاصي و الشهوات،فلا طريق له إلا المجاهدة طول العمر في فطامه نفسه عنها؛و في قمع الشهوات عن القلب.فهذا هو القدر الذي يدخل تحت الاختيار،و يكون طول المواظبة على الخير،و تخلية الفكر عن الشر،عدة و ذخيرة لحالة سكرات الموت،فإنه يموت المرء على ما عاش عليه،و يحشر على ما مات عليه و لذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة فيقول:خمسة،ستة،أربعة فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له قبل الموت و قال بعض العارفين من السلف.العرش جوهرة تتلألأ نورا،فلا يكون العبد على حال إلا انطبع مثاله في العرش على الصورة التي كان عليها،فإذا كان في سكرات الموت كشف له صورته من العرش،فربما يرى نفسه على صورة معصية،و كذلك يكشف له يوم