إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - بيان
فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده يجوز عدمه لا محالة.فتقدير وجوده يروح القلب و هو الرجاء،و تقدير عدمه يوجع القلب و هو الخوف.و التقديران يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه.نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب.و يسمى ذلك ظنا،فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر.فإذا غلب على الظن وجود المحبوب،قوى الرجاء و خفى الخوف بالإضافة إليه،و كذا بالعكس،و على كل حال فهما متلازمان .و لذلك قال تعالى (وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً [١]) و قال عز و جل (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً [٢]) و لذلك عبّر العرب عن الخوف بالرجاء.فقال تعالى (مٰا لَكُمْ لاٰ تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً [٣]) أي لا تخافون.و كثيرا ما ورد في القرءان الرجاء بمعنى الخوف،و ذلك لتلازمهما ،إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه بل أقول كل ما ورد في فضل البكاء من خشية اللّه فهو إظهار لفضيلة الخشية،فإن البكاء ثمرة الخشية.فقد قال تعالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً [٤]) و قال تعالى (يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [٥]) و قال عز و جل (أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لاٰ تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ [٦]) و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة و إن كانت مثل رأس الذباب من خشية اللّٰه تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه اللّٰه على النار»و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية اللّٰه تحاتت عنه خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها»و قال صلى اللّٰه عليه و سلم[٣]«لا يلج النار أحد بكى من خشية اللّٰه تعالى حتى يعود اللبن في الضرع »
[١] الأنبياء:٩٠
[٢] السجدة:١٦
[٣] نوح:١٣
[٤] التوبة:٨٣
[٥] الإسراء:١٠٩
[٦] النجم:٥٩-١١