إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - بيان
و مصالح عباده.أ فترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة؟أو علم ذلك و لكن أقدم عليه غضبا في معصية اللّه؟و حاشاه.أو أراد الزجر بالمصلحة بغير طريق شرعها نبي اللّه؟و هيهات فإن ذلك أيضا معصية.بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال،و علم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج،و قد كان كاذبا،فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس و عسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه.إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم،فبقي مالا لا مالك له، فوجب صرفه إلى المصالح،و إبل الصدقة و علفها من المصالح و يتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذبا،كأخذ العلوي بقوله إنى علوي و هو كاذب،فإنه لا يملك ما يأخذه،و كأخذ الصوفي الصالح الذي يعطى لصلاحه.و هو في الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطى لما أعطاه.و قد ذكرنا في مواضع أن ما أخذوه على هذا الوجه لا يملكونه،و هو حرام عليهم،و يجب عليهم الرد إلى مالكه.فاستدل بفعل عمر رضي اللّه عنه على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء و قد قررناه في مواضع.
و لا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر فإذا عرفت أن السؤال يباح لضرورة،فاعلم أن الشيء إما أن يكون مضطرا إليه، أو محتاجا إليه حاجة مهمة،أو حاجة خفيفة،أو مستغنى عنه،فهذه أربعة أحوال أما المضطر إليه فهو سؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا،و سؤال العاري و بدنه مكشوف ليس معه ما يواريه،و هو مباح مهما وجدت بقية الشروط في المسئول بكونه مباحا،و المسئول منه بكونه راضيا في الباطن،و في السائل بكونه عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب و هو بطال ليس له السؤال إلا إذا استغرق طلب العلم أوقاته.
و كل من له خط فهو قادر على الكسب بالوراقة.و أما المستغنى فهو الذي يطلب شيئا و عنده مثله و أمثاله.فسؤاله حرام قطعا.و هذان طرفان واضحان و أما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء ليس يظهر خوفه لو لم يستعمله و لكن لا يخلو عن خوف.و كمن له جبة لا قميص تحتها في الشتاء،و هو يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهى إلى حد الضرورة.و كذلك من يسأل لأجل الكراء و هو قادر على المشي بمشقة.
فهذا أيضا ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة،لأنها أيضا حاجة محققة.و لكن الصبر عنه أولى