إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٣ - بيان
و علائقها شاغلة له عن المحبوب،فالدنيا إذا سجنه،لأن السجن عبارة عن البقعة المانعة للمحبوس عن الاسترواح إلى محابه،فموته قدوم على محبوبه و خلاص من السجن.
و لا يخفى حال من أفلت من السجن،و خلى بينه و بين محبوبه بلا مانع و لا مكدر فهذا أول ما يلقاه كل من فارق الدنيا عقيب موته من الثواب و العقاب،فضلا عما أعده اللّٰه لعباده الصالحين،مما لم تره عين،و لم تسمعه أذن،و لا خطر على قلب بشر ،و فضلا عما أعده اللّٰه تعالى للذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة،و رضوا بها،و اطمأنوا إليها، من الأنكال،و السلاسل.و الأغلال،و ضروب الخزي و النكال،فنسأل اللّٰه تعالى أن يتوفانا مسلمين،و يلحقنا بالصالحين و لا مطمع في إجابة هذا الدعاء إلا باكتساب حب اللّٰه تعالى،و لا سبيل إليه إلا بإخراج حب غيره من القلب،و قطع العلائق عن كل ما سوى اللّٰه تعالى من جاه،و مال،و وطن فالأولى أن ندعو بما دعا به نبينا صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«اللهم ارزقني حبك و حب من أحبك و حب ما يقربني إلى حبك و اجعل حبك أحب إلي من الماء البارد» و الغرض أن غلبة الرجاء عند الموت أصلح،لأنه أجلب للمحبة.و غلبة الخوف قبل الموت أصلح،لأنه أحرق لنار الشهوات،و أقمع لمحبة الدنيا عن القلب.و لذلك قال صلى اللّٰه عليه و سلم [٢]«لا يموتن أحدكم إلا و هو يحسن الظن بربه»و قال تعالى:أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.و لما حضرت سليمان التيمي الوفاة،قال لابنه:يا بني،حدثني بالرخص، و اذكر لي الرجاء،حتى ألقى اللّٰه على حسن الظن به .و كذلك لما حضرت الثوري الوفاة، و اشتد جزعه،جمع العلماء حوله يرجونه.و قال أحمد بن حنبل رضي اللّٰه عنه لابنه عند الموت:اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء و حسن الظن و المقصود من ذلك كله أن يحبب اللّٰه تعالى إلى نفسه.و لذلك أوحى اللّٰه تعالى إلى داود عليه الصلاة و السلام،أن حببنى إلى عبادي.فقال بما ذا؟قال بأن تذكر لهم آلائي و نعمائي فإذا غاية السعادة أن يموت محبا للّٰه تعالى،و إنما تحصل المحبة بالمعرفة،و بإخراج حب الدنيا