إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٢ - بيان
إلى اليأس و ترك العمل،و قطع الطمع من المغفرة،فيكون ذلك سببا للتكاسل عن العمل، و داعيا إلى الانهماك في المعاصي،فإن ذلك قنوط و ليس بخوف.إنما الخوف هو الذي يحث على العمل،و يكدر جميع الشهوات،و يزعج القلب عن الركون إلى الدنيا،و يدعوه إلى التجافي عن دار الغرور ،فهو الخوف المحمود.دون حديث النفس الذي لا يؤثر في الكف و الحث،و دون اليأس الموجب للقنوط و قد قال يحيى بن معاذ:من عبد اللّٰه تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار،و من عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار،و من عبده بالخوف و الرجاء استقام في محجة الادكار.و قال مكحول الدمشقي.من عبد اللّٰه بالخوف فهو حروري،و من عبده بالرجاء فهو مرجئ،و من عبده بالمحبة فهو زنديق،و من عبده بالخوف و الرجاء و المحبة فهو موحد فإذا لا بد من الجمع بين هذه الأمور،و غلبة الخوف هو الأصلح و لكن قبل الإشراف على الموت.أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء و حسن الظن،لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل،و قد انقضى وقت العمل.فالمشرف على الموت لا يقدر على العمل ثم لا يطيق أسباب الخوف،فإن ذلك يقطع نياط قلبه ،و يعين على تعجيل موته.و أما روح الرجاء فإنه يقوى قلبه،و يحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه و لا ينبغي أن يفارق أحد الدنيا إلا محبا للّٰه تعالى،ليكون محبا للقاء اللّٰه تعالى.
فإن من أحب لقاء اللّٰه أحب اللّٰه لقاءه.و الرجاء تقارنه المحبة.فمن ارتجى كرمه فهو محبوب و المقصود من العلوم و الأعمال كلها معرفة اللّٰه تعالى،حتى تثمر المعرفة المحبة،فإن المصير إليه،و القدوم بالموت عليه.و من قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبته،و من فارق محبوبه اشتدت محنته و عذابه فمهما كان القلب الغالب عليه عند الموت حب الأهل،و الولد،و المال،و المسكن و العقار،و الرفقاء،و الأصحاب،فهذا رجل محابه كلها في الدنيا،فالدنيا جنته.إذ الجنة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحارب.فموته خروج من الجنة،و حيلولة بينه و بين ما يشتهيه.
و لا يخفى حال من يحال بينه و بين ما يشتهيه فإذا لم يكن له محبوب سوى اللّٰه تعالى،و سوى ذكره،و معرفته،و الفكر فيه،و الدنيا