إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٢ - بيان
في عالم الشهادة.فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه بهذا الطريق اللائق بقدر عقله.و قد كلف اللّه أن يكلموا الناس على قدر عقولهم.و لذلك نزل القرءان بلسان العرب على حد عادتهم في المحاورة فإن قلت:فمثل هذا التوحيد الاعتقادى هل يصلح أن يكون عماد للتوكل و أصلا فيه؟ فأقول نعم.فإن الاعتقاد إذا قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال.إلا أنه في الغالب يضعف و يتسارع إليه الاضطراب و التزلزل غالبا.و لذلك يحتاج صاحبه إلى متكلم يحرسه بكلامه،أو إلى أن يتعلم هو الكلام ليحرس به العقيدة التي تلقنها من أستاذه، أو من أبويه.أو من أهل بلده.و أما الذي شاهد الطريق و سلكه بنفسه،فلا يخاف عليه شيء من ذلك.بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا،و إن كان يزداد وضوحا.كما أن الذي يرى إنسانا في وقت الإسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنه إنسان،و لكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته.و ما مثال المكاشفين و المعتقدين إلا كسحرة فرعون مع أصحاب السامري، فإن سحرة فرعون لما كانوا مطلعين على منتهى تأثير السحر،لطول مشاهدتهم و تجربتهم،رأوا من موسى عليه السلام ما جاوز حدود السحر،و انكشف لهم حقيقة الأمر.فلم يكترثوا بقول فرعون (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاٰفٍ [١]) بل (قٰالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلىٰ مٰا جٰاءَنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الَّذِي فَطَرَنٰا فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ إِنَّمٰا تَقْضِي هٰذِهِ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا [٢]) فإن البيان و الكشف يمنع التغيير و أما أصحاب السامري لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان.فلما نظروا إلى عجل السامري،و سمعوا خواره،تغيروا،و سمعوا قوله (هٰذٰا إِلٰهُكُمْ وَ إِلٰهُ مُوسىٰ [٣]) و نسوا أنه لا يرجع إليهم قولا،و لا يملك لهم ضرا و لا نفعا.فكل من آمن بالنظر إلى ثعبان يكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل،لأن كليهما من عالم الشهادة.و الاختلاف و التضاد في عالم الشهادة كثير.و أما عالم الملكوت فهو من عند اللّه تعالى.فكذلك لا تجد فيه اختلافا و تضاد أصلا فإن قلت:ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أن الوسائط و الأسباب مسخرات و كل ذلك ظاهر إلا في حركات الإنسان،فإنه يتحرك إن شاء و يمكن إن شاء،فكيف يكون مسخرا؟
[١] طه:٧١
[٢] طه:٧٢
[٣] طه:٨٨