إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٠ - بيان
(وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ الْغَرُورُ [١]) وَ (يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [٢]) ثم كل ذلك لا ينبهنا و لا يخرجنا عن أودية غرورنا و أمانينا.فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل اللّه علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها و يجبر؟؟؟؟؟؟؟؟ اللّه تعالى أن يتوب علينا،بل نسأله أن يشوق إلى التوبة سرائر قلوبنا،و أن لا يجعل حركة اللسان بسؤال التوبة غاية حظنا،فنكون ممن يقول و لا يعمل،و يسمع و لا يقبل،إذا سمعنا لوعظ بكينا،و إذا جاء وقت العمل بما سمعناه عصينا فلا علامة للخذلان أعظم من هنا،فنسأل اللّه تعالى أن يمن علينا بالتوفيق و الرشد بمنّه و فضله و لنقتصر من حكاية أحوال الخائفين على ما أوردناه،فإن القليل من هذا يصادف القلب القابل،فيكفي،و الكثير منه و إن أفيض على القلب الغافل فلا يغنى و لقد صدق الراهب الذي حكى عنه عيسى بن مالك الخولاني،و كان من خيار العبّاد أنه رآه على باب بيت المقدس واقفا كهيئة المحزون من شدة الوله،ما يكاد يرقأ دمعه من كثرة البكاء،فقال عيسى.لما رأيته هالني منظره،فقلت أيها الراهب أوصني بوصية أحفظها عنك فقال يا أخي بما ذا أوصيك؟إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد احتوشته السباع و الهوام فهو خائف حذر،يخاف أن يغفل فتفترسه السباع،أو يسهو فتهشه الهوام،فهو مذعور القلب و جل،فهو في المخالفة ليله و إن أمن المغترون،و في الحزن نهاره و إن فرح البطالون ثم ولى و تركني.فقلت لو زدتني شيئا عسى ينفعني؟فقال الظمآن يجزيه من الماء أيسره و قد صدق،فإن القلب الصافي يحركه أدنى مخافة،و القلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ و ما ذكره من تقديره أنه احتوشته السباع و الهوام،فلا ينبغي أن يظن أنه تقدير،بل هو تحقيق.فإنك لو شاهدت بنور البصيرة باطنك،لرأيته مشحونا بأصناف السباع و أنواع الهوام،مثل الغضب،و الشهوة،و الحقد،و الحسد،و الكبر،و العجب و الرياء و غيرها،و هي التي لا تزال تفترسك و تنهشك إن غفلت عنها لحظة،إلا أنك محجوب العين عن مشاهدتها.فإذا انكشف الغطاء،و وضعت في قبرك،عاينتها و قد تمثلت لك بصورها و أشكالها الموافقة لمعانيها،فترى بعينك العقارب و الحيات و قد أحدقت بك في قبرك،و إنما هي صفاتك الحاضرة الآن،قد انكشف لك صورها،فإن أردت أن تقتلها و تقهرها و أنت قادر عليها قبل الموت فافعل،و إلا فوطن نفسك على لدغها و نهشها لصميم قلبك ،فضلا عن ظاهر بشرتك و السلام
[١] فاطر:٥
[٢] الانفطار:٦