إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٦ - بيان
فلعل لنا عذرا و أنت تلوم،فإنى ما انتهضت بنفسي و لكن أنهضت.و ما انبعثت و لكني بعثت بحكم قاهر و أمر جازم.و قد كنت ساكنة قبل مجيئه،و لكن ورد علي من حضرة القلب رسول العلم على لسان العقل،بالإشخاص للقدرة.فأشخصتها باضطرار.فإنى مسكينة مسخرة تحت قهر العلم و العقل،و لا أدرى بأي جرم وقفت عليه،و سخرت له.و ألزمت طاعته.لكني أدرى أنى في دعة و سكون ما لم يرد علي هذا الوارد القاهر،و هذا الحاكم العادل أو الظالم،و قد وقفت عليه وقفا،و ألزمت طاعته إلزاما،بل لا يبقى لي معه مهما جزم حكمه طاقة على المخالفة.لعمري ما دام هو في التردد مع نفسه،و التحير في حكمه،فأنا ساكنة لكن مع استشعار و انتظار لحكمه.فإذا انجزم حكمه أزعجت بطبع و قهر تحت طاعته و أشخصت القدرة لتقوم بموجب حكمه،فسل العلم عن شأني،و دع عنى عتابك فإنى كما قال القائل
متى ترحلت عن قوم و قد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون هم
فقال صدقت و أقبل على العلم و العقل و القلب مطالبا لهم،و معاتبا إياهم على استنهاض الإرادة و تسخيرها لإشخاص القدرة.فقال العقل:أما أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي و لكن أشعلت و قال القلب.أما أنا فلوح ما انبسطت بنفسي و لكن بسطت.و قال العلم:أما أنا فنقش نقشت في بياض لوح القلب لما أشرق سراج العقل،و ما انخططت بنفسي.فكم كان هذا اللوح قبل خاليا عنى فسل القلم عنى،لأن الخط لا يكون إلا بالقلم فعند ذلك تتعتع السائل و لم يقنعه جواب.و قال:قد طال تعبي في هذا الطريق، و كثرت منازلى،و لا يزال يحيلني من طمعت في معرفة هذا الأمر منه على غيره، و لكني كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا في الفؤاد؛و عذرا ظاهرا في دفع السؤال.فأما قولك إنى خط و نقش،و إنما خطنى قلم فلست أفهمه،فإنى لا أعلم قلما إلا من القصب،و لا لوحا إلا من الحديد أو الخشب،و لا خطا إلا بالحبر.
و لا سراجا إلا من النار.و إنى لأسمع في هذا المنزل حديث اللوح،و السراج،و الخط،و القلم و لا أشاهد من ذلك شيئا.أسمع جعجعة و لا أرى طحنا. فقال له العلم:إن صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة،و زادك قليل،و مركبك ضعيف،و اعلم أن المهالك في الطريق التي توجهت