إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٩ - بيان
فانكشف له القلم الإلهي،فإذا هو كما وصفه العلم في التنزيه،ما هو من خشب و لا قصب، و لا له رأس و لا ذنب،و هو يكتب على الدوام في قلب البشر كلهم أصناف العلوم و كان له في كل قلب رأسا و لا رأس له.فقضى منه العجب و قال.نعم الرفيق العلم،فجزاه اللّه تعالى عنى خيرا،إذ الآن ظهر لي صدق أنبائه عن أوصاف القلم فإنى أراه قلما لا كالأقلام فعند هذا ودع العلم و شكره،و قال:قد طال مقامى عندك،و مرادتى لك،و أنا عازم على أن أسافر إلى حضرة القلم،و أسأله عن شأنه.فسافر إليه،و قال له:ما بالك أيها القلم تخط على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الارادات إلى أشخاص القدر و صرفها إلى المقدورات؟ فقال أو قد نسيت ما رأيت في عالم الملك و الشهادة،و سمعت من جواب القلم إذ سألته،فأحالك على اليد؟قال لم أنس ذلك.قال فجوابي مثل جوابه.قال كيف و أنت لا تشبهه؟قال القلم أما سمعت أن اللّه تعالى خلق آدم على صورته؟قال نعم.قال فسل عن شأني الملقب بيمين الملك، فإنى في قبضته،و هو الذي يرددنى،و أنا مقهور مسخر،فلا فرق بين القلم الإلهي و قلم الآدمي في معنى التسخير،و إنما الفرق في ظاهر الصورة.فقال فمن يمين الملك؟فقال القلم:أما سمعت قوله تعالى (وَ السَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ [١]) قال نعم.قال و الأقلام أيضا في قبضة يمينه،هو الذي يرددها.فسافر السالك من عنده إلى اليمين حتى شاهده،و رأى من عجائبه ما يزيد على عجائب القلم،لا يجوز وصف شيء من ذلك و لا شرحه،بل لا تحوى مجلدات كثيرة عشر عشير وصفه. و الجملة فيه أنه يمين لا كالأيمان،و يد لا كالأيدي،و أصبع لا كالأصابع.
فرأى القلم محركا في قبضته.فظهر له عذر القلم.فسأل اليمين عن شأنه و تحريكه للقلم فقال:
جوابي مثل ما سمعته من اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة،و هي الحوالة على القدرة،إذ اليد لا حكم لها في نفسها،و إنما محركها القدرة لا محالة.
فسافر السالك إلى عالم القدرة،و رأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما قبله،و سألها عن تحريك اليمين.فقالت إنما أنا صفة،فاسأل القادر،إذ العمدة على الموصوفات لا على الصفات و عند هذا كاد أن يزيغ و يطلق بالجراءة لسان السؤال،فثبت بالقول الثابت و نودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة (لاٰ يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [٢]) فغشيته هيبة
[١] الزمر:٦٧
[٢] الأنبياء:٢٣