إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧ - بيان
فإنه ليس يدرى عاقبة أمره،و لو عرف لم يكن خائفا،لأن المخوف هو الذي يتردد فيه.
و أما العجز،فهو أنه متعرض لمحذور لا يقدر على دفعه فإذا هو محمود بالإضافة إلى نقص الآدمي.
و إنما المحمود في نفسه و ذاته هو العلم و القدرة،و كل ما يجوز أن يوصف اللّٰه تعالى به و ما لا يجوز وصف اللّٰه به فليس بكمال في ذاته،و إنما يصير محمودا بالإضافة إلى نقص هو أعظم منه،كما يكون احتمال ألم الدواء محمودا لأنه أهون من ألم المرض و الموت.فما يخرج إلى القنوط فهو مذموم و قد يخرج الخوف أيضا إلى المرض و الضعف،و إلى الوله و الدهشة و زوال العقل.
و قد يخرج إلى الموت.و كل ذلك مذموم،و هو كالضرب الذي يقتل الصبي،و السوط الذي يهلك الدابة أو يمرضها،أو يكسر عضوا من أعضائها.و إنما ذكر رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم أسباب الرجاء و أكثر منها،ليعالج به صدمة الخوف المفرط المفضى إلى القنوط أو أحد هذه الأمور.فكل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضي إلى المراد المقصود منه.
و ما يقصر عنه أو يجاوزه فهو مذموم.و فائدة الخوف الحذر،و الورع،و التقوى،و المجاهدة و العبادة،و الفكر،و الذكر،و سائر الأسباب الموصلة إلى اللّٰه تعالى.و كل ذلك يستدعى الحياة مع صحة البدن و سلامة العقل.فكل ما يقدح في هذه الأسباب فهو مذموم فإن قلت:من خاف فمات من خوفه فهو شهيد،فكيف يكون حاله مذموما؟ فاعلم أن معنى كونه شهيدا أن له رتبة بسبب موته من الخوف،كان لا ينالها لو مات في ذلك الوقت لا بسبب الخوف.فهو بالإضافة إليه فضيلة.فأما بالإضافة إلى تقدير بقائه و طول عمره في طاعة اللّٰه و سلوك سبله،فليس بفضيلة .بل للسالك إلى اللّٰه تعالى بطريق الفكر،و المجاهدة،و الترقي في درجات المعارف،في كل لحظة رتبة شهيد و شهداء و لو لا هذا لكانت رتبة صبي يقتل،أو مجنون يفترسه سبع،أعلى من رتبة نبي أو ولى يموت حتف أنفه و هو محال.فلا ينبغي أن يظن هذا.بل أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللّٰه تعالى فكل ما أبطل العمر،أو العقل،أو الصحة التي يتعطل العمر بتعطيلها،فهو خسران و نقصان بالإضافة إلى أمور،و إن كان بعض أقسامها فضيلة بالإضافة إلى أمور أخر،كما كانت الشهادة فضيلة بالإضافة إلى ما دونها،لا بالإضافة إلى درجة المتقين و الصديقين فإذا:الخوف إن لم يؤثر في العمل فوجوده كعدمه،مثل السوط الذي لا يزيد في حركة