إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٧ - بيان
إذ يقول:كان الماء ملاقيا و لم يكن رافعا،و الماء لم يتغير عما كان،فكيف حصل منه ما لم يحصل من قبل!بل حصل ارتفاع الحدث عن اليدين عند غسل الوجه،فإذا غسل الوجه هو الرافع للحدث عن اليدين.و هو جهل يضاهي ظن من يظن أن الحركة تحصل بالقدرة و القدرة بالإرادة،و الإرادة بالعلم.و كل ذلك خطأ.بل عند ارتفاع الحدث عن الوجه ارتفع الحدث عن اليد بالماء الملاقى لها،لا بغسل الوجه.و الماء لم يتغير،و اليد لم تتغير، و لم يحدث فيهما شيء.و لكن حدث وجود الشرط،فظهر أثر العلة فهكذا ينبغي أن تفهم صدور المقدرات عن القدرة الأزلية،مع أن القدرة قديمة، و المقدورات حادثة.و هذا قرع باب آخر لعالم آخر من عوالم المكاشفات؛فلنترك جميع ذلك،فإن مقصودنا التنبيه على طريق التوحيد في الفعل، فإن الفاعل بالحقيقة واحد، فهو المخوف و المرجوّ،و عليه التوكل و الاعتماد. و لم نقدر على أن نذكر من بحار التوحيد إلا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد.و استيفاء ذلك في عمر نوح محال، كاستيفاء ماء البحر بأخذ القطرات منه.و كل ذلك ينطوى تحت قول لا إله إلا اللّه،و ما أخف مئونته على اللسان،و ما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب،و ما أعز حقيقته و لبّه عند العلماء الراسخين في العلم،فكيف عند غيرهم فإن قلت:فكيف الجمع بين التوحيد و الشرع،و معنى التوحيد أن لا فاعل إلا اللّه تعالى و معنى الشرع إثبات الأفعال للعباد،فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون اللّه تعالى فاعلا، و إن كان اللّه تعالى فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا،و مفعول بين فاعلين غير مفهوم؟ فأقول:نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد.و إن كان له معنيان،و يكون الاسم مجملا مرددا بينهما لم يتناقض.كما يقال قتل الأمير فلانا،و يقال قتله الجلاد و لكن الأمير قاتل بمعنى،و الجلاد قاتل بمعنى آخر.فكذلك العبد فاعل بمعنى،و اللّه عز و جل فاعل بمعنى آخر.فمعنى كون اللّه تعالى فاعلا أنه المخترع الموجد.و معنى كون العبد فاعلا أنه المحل الذي خلق فيه القدرة؛بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم فارتبطت القدرة بالإرادة،و الحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط و ارتبط بقدرة اللّه ارتباط المعلول بالعلة،و ارتباط المخترع بالمخترع.