إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٤ - بيان
فاقتربوا منه فإنّه يلقى الحكمة»و قال تعالى (وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [١]) و لذلك قيل:من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى اللّه ينابيع الحكمة في قلبه، و أنطق بها لسانه.و عن بعض الصحابة أنه قال:[١]قلنا يا رسول اللّه أي الناس خير؟قال «كلّ مؤمن محموم القلب صدوق اللسان»قلنا يا رسول اللّه و ما محموم القلب؟قال«التّقي النّقي الّذي لا غلّ فيه و لا غشّ و لا بغي و لا حسد»قلنا يا رسول اللّٰه فمن على أثره ؟قال «الّذي يشنأ الدّنيا و يحبّ الآخرة »و مفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إن أردت أن يحبّك اللّه فازهد في الدّنيا»فجعل الزهد سببا للمحبة.فمن أحبه اللّه تعالى فهو في أعلى الدرجات،فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات.و مفهومه أيضا أن محب الدنيا متعرض لبغض اللّه تعالى و في خبر من طريق أهل البيت[٣]«الزّهد و الورع يجولان في القلوب كلّ ليلة فإن صادفا قلبا فيه الإيمان و الحياء أقاما فيه و إلاّ ارتحلا» [٤]و لما قال حارثة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:أنا مؤمن حقا؟قال«و ما حقيقة إيمانك ؟» قال عزفت نفسي عن الدنيا،فاستوى عندي حجرها و ذهبها.و كأنى بالجنة و النار،و كأنى بعرش ربي بارزا.فقال صلى اللّه عليه و سلم«عرفت فالزم عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان » فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا،و قرنه باليقين،و كيف زكاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ قال«عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان» و لما[٥]سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن معنى الشرح في قوله تعالى
[١] البقرة:٢٦٩