فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٤ - التشريح في التعليم الطبي آية اللّه السيد محمّد المؤمن
فإذا اُريد بالحرمة الاحترام فلا محالة يكون مرجع الضمير الذي اُضيفت الحرمة إليه هو الميّت . وتكون العبارة كأنّه قال : حرمة الميّت كحرمته وهو حيّ ، فيدلّ على أنّ جميع الحقوق التي جعلها الشارع للإنسان زمن حياته وكانت لازمة الرعاية في حقّه فهي ثابتة له بعدما مات .
ومن المعلوم أنّ من حقوق الحيّ أن لا يتعرّض له في جسده بقطع ولا خرق ولا خدش ، بل ولا حلق شعر ، ويكون جميع ذلك تحت اختياره ، والتجاوز على كلّ منها هتكاً لحرمته موجباً للقصاص والدية تكريماً له ورعاية لحرمته ، فهكذا الأمر بعد وفاته بالنسبة لأصل ثبوت الحقّ والاحترام له مع غضّ النظر عن حدّ هذه الحرمة .
وما ذكرناه من أنّ تحريم إلحاق الأذى بالحيّ في قالب أيّ عمل كان إنّما هو من باب رعاية حقّه ، وهو ـ مضافاً إلى وضوحه بنفسه ـ مستفاد من أخبار كثيرة :
منها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في حديث قال : « إنّ عندنا الجامعة . قلت : وما الجامعة ؟ قال : صحيفة فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش ، وضرب بيده إليَّ . فقال : أتأذن يا أبا محمّد ؟ قلت : جعلت فداك ، إنّما أنا لك ، فاصنع ماشئت ، فغمزني بيده وقال : حتى أرش هذا » (١٠)فإنّ إقدامه (عليه السلام) على الاستئذان منه في مثل ذلك الغمز الخفيف فيه دلالة واضحة على أنّ تحريم مثله إنّما هو لرعاية حقّه بحيث يجوز ارتكابه مع إذنه ، وليس مثل تحريم الخمر يكون حقّاً إلـهيّاً محضاً .
ومنها : معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال : « قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما كان من جراحات الجسد انّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها » (١١)فإنّ جعل أمر القصاص إلى المجروح وسقوطه بقبوله للدية دليل صريح على ما ذكرنا .
(١٠)الوسائل ١٩ : ٢٧١، الباب ٤٨من أبواب ديات الأعضاء ، ح١ .
(١١)المصدر السابق : ١٣٢، الباب ١٣من أبواب قصاص الطرف ، ح٣ ـ ٤ .