فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨ - الاتّجاهات المستقبلة لحركة الاجتهاد الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر (قدس سره)
وهذا الاتّجاه الذهني لدى الفقيه لم يؤدِّ فقط إلى انكماش الفقه من الناحية الموضوعية ، بل أدّى بالتدريج إلى تسرّب الفردية إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها ، فإنّ الفقيه بسبب ترسّخ الجانب الفردي من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة في ذهنه واعتياده أن ينظر إلى الفرد ومشاكله عكس موقفه هذا على نظرته إلى الشريعة ، فاتّخذت طابعاً فردياً ، وأصبح ينظر إلى الشريعة في نطاق الفرد وكأنّ الشريعة ذاتها كانت تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل له الفقيه فحسب ، وهو الجانب الفردي من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة .
ولأذكر مثالين من الاُصول والفقه تجدون خلالهما كيف تسرّبت الفردية من نظرة الفقيه إلى هدفه إلى نظرته للشريعة نفسها :
إنّ المثال الاُصولي نأخذه من بحوث دليل الانسداد الذي يعرض الفكرة القائلة بأنّنا ما دمنا نعلم بأنّ في الشريعة تكاليف ولا يمكننا معرفتها بصورة قطعية ، فيجب أن يكون المتّبع في معرفتها هو الظنّ . إنّ هذه الفكرة يناقشها الاُصوليّون قائلين : لماذا لا يمكن أن نفترض أنّ الواجب على المكلّف هو الاحتياط في كلّ واقعة بدلاً عن اتّخاذ الظنّ مقياساً ؟ ! وإذا أدّى التوسّع في الاحتياط إلى الحرج فيسمح لكل مكلّف بأن يقلّل من الاحتياط بالدرجة التي لا تؤدّي إلى الحرج . انظروا إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض ، وكيف سيطرت على أصحاب النظرة الفردية إلى الشريعة ، فإنّ الشريعة إنّما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب ، وأمّا حيث تكون تشريعاً للجماعة وأساساً لتنظيم حياتها فلا يمكن ذلك بشأنها ؛ لأنّ هذا الفرد أو ذاك قد يقيم سلوكه كلّه على أساس الاحتياط ، وأمّا الجماعة كلّها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية على أساس الاحتياط .
وأمّا المثال الفقهي فنأخذه من الاعتراض الشهير الذي أثاره الفقهاء حول قاعدة