التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢٨ - أدلة القائلين بالتساقط
سقوطهما عن الوجوب. فالحق ان دليل الحجية شامل لهما كليهما لأن شمول العام أو المطلق لأفراده قهري لأن شموله من جهة انطباقه عليها والانطباق قهري. نعم تخير بين أفراده غير الممكنة الاجتماع بحكم العقل فإن العقل لما يرى كل منهما جامعاً لشرائط الحجية في الظاهر ولا يجوز طرحهما معاً للدليل الدال على اعتبارهما وإن العمل بأحدهما معيناً ترجيح بلا مرجح يحكم بالتخيير لا محالة وإحتمال بطلانهما معاً في نفس الأمر غير قادح في حكم العقل بعد ثبوت اعتبارهما في الظاهر ووجوب العمل بهما عيناً، ودعوى ان هذا لا يتم فيما تعارضت الأمارتان في التسبيبات والأحكام الوضعية فإن الأحكام الوضعية أما أمور واقعية أو مجعولة شرعية من دون مدخلية لاختيار المكلف في ترتب آثارها فلا معنى لاختيار المكلف بكون المال أرث للزوجة أو عدمه فيما لو تعارضت الأخبار في الأرض التي يملكها الزوج ولا في كون العقد صحيح مؤثر للنقل والانتقال وعدمه كعقد الصبي فاسدة، لانها مجرد استعباد ولا أثر له بعد حكم العقل بالاختيار والتخيير فإن التخيير إنما هو في أخذ الحجة والعمل بها في الحكمين نفسهما الذي دل عليهما المتعارضان. ان قلت على هذا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لانه يلزم منه ان يدل دليل الحجية على الوجوب العيني في الأمارة التي لا معارض لها والوجوب التخييري في الأمارة التي لها معارض. قلنا لما كان وجوب الإطاعة لأوامر المولى مخصوص بصورة التمكن ومقيد بها وحيث ان العبد لم يتمكن من إطاعة أمر المولى بالعمل بالمتعارضين وعجزه عن ذلك وكان تمكنه لأحدهما مخيراً كان دليل الحجية يقتضي التخيير بواسطة حكم العقل فالمقتضي للعمل بهما موجود وهو شمول الدليل لهما وإنما كان هناك مانع من الامتثال لهما معاً مجتمعين وهو العجز وعدم التمكن وذلك يقتضي التخيير بينهما لزوال المانع من التخيير وهو العجز وزوال عدم التمكن منه وليس ذلك لعدم المقتضي لحجيتهما حتى يقال بسقوطهما عن الحجية.
والحاصل ان دليل الحجية يقتضي وجوب العمل بكل منهما عينا وسلوكهما معاً ولا يعذر بتركهما معاً فيكونان نظير المتزاحمين فلا يجب على المكلف بحكم العقل بعد عجزه عن امتثالهما معاً إلّا العمل بأحدهما مخيراً لانه هو المقدور له نظير الواجب