الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢٦ - ٢٤٦- تصغير الكلام
و قد رفعوا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم.
و أمّا قوله: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدهر هو اللّه» [١] فما أحسن ما فسّر ذلك عبد الرحمن بن مهديّ قال: وجه هذا عندنا، أنّ القوم قالوا: وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ [٢]
فلما قال القوم ذلك، قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «ذلك اللّه» . يعني أنّ الذي أهلك القرون هو اللّه عزّ و جلّ، فتوهم منه المتوهّم أنّه إنّما أوقع الكلام على الدهر.
و قال يونس: و كما غلطوا في قول النبي صلى اللّه عليه و سلم لحسّان: «قل و معك روح القدس» [٣] فقالوا: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم لحسّان: قل و معك جبريل [٤] ؛ لأنّ روح القدس أيضا من أسماء جبريل. أ لا ترى أنّ موسى قال: «ليت أنّ روح اللّه مع كلّ أحد» ، و هو يريد العصمة و التوفيق. و النصارى تقول للمتنبّي: معه روح دكالا، و معه روح سيفرت. و تقول اليهود: معه روح بعلزبول، يريدون شيطانا. فإذا كان نبيا قالوا:
روحه روح القدس، و روحه روح اللّه، و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [٥] ، يعني القرآن.
و سمع الحسن رجلا يقول: طلع سهيل و برد الليل. فكره ذلك و قال: إنّ سهيلا لم يأت بحرّ و لا ببرد قطّ. و لهذا الكلام مجاز و مذهب، و قد كره الحسن كما ترى.
و كره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم و السحابة: ما أخلقها للمطر!و هذا كلام مجازه قائم، و قد كرهه ابن أنس. كأنّهم من خوفهم عليهم العود في شيء من أمر الجاهليّة، احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلّق.
و رووا أنّ ابن عبّاس قال: لا تقولوا و الذي خاتمه على فمي، فإنّما يختم اللّه عزّ و جلّ على فم الكافر. و كره قولهم: قوس قزح. و قال: قزح شيطان [٦] ، و إنّما ذهبوا إلى
[١] أخرج البخاري في الأدب برقم ٥٨٢٧، و في التوحيد برقم ٧٠٥٣ «قال اللّه تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، و أنا الدهر» . و انظر الحاشية السابقة.
[٢] . ٢٤/الجاثية: ٤٥.
[٣] أخرج البخاري في المساجد برقم ٤٤٢، و في بدء الخلق برقم ٣٠٤٠، و في الأدب ٥٨٠٠، و مسلم في فضائل الصحابة برقم ٢٤٨٥ «اللهم أيده بروح القدس» . و انظر الأغاني ٤/١٣٧، ١٤٣، ١٤٨.
[٤] أخرج البخاري في بدء الخلق برقم ٣٠٤١، و في الأدب برقم ٥٨٠١، و مسلم في فضائل الصحابة برقم ٢٤٨٦ «اهجهم-أو هاجهم-و جبريل معك» .
[٥] . ٥٢/الشورى: ٤٢.
[٦] النهاية ٤/٥٧، و ثمار القلوب (٧٨) .