الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢٥ - ٢٤٦- تصغير الكلام
و سمع عمر رجلا يدعو و يقول؛ اللهمّ اجعلني من الأقلّين!قال: ما هذا الدعاء؟ قال: إنّي سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ [١] و قال: وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ [٢] . قال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.
و كره عمر بن عبد العزيز قول الرجل لصاحبه: ضعه تحت إبطك، و قال: هلاّ قلت تحت يدك و تحت منكبك!و قال مرّة-وراث فرس بحضرة سليمان-فقال:
ارفعوا ذلك النّثيل [٣] . و لم يقل ذلك الرّوث.
و قال الحجّاج لأمّ عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال اللّه فوضعته تحت. كأنّه كره أن يقول على عادة الناس: تحت استك، فتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا، ثمّ قال: تحت ذيلك.
و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «لا يقولنّ أحدكم لمملوكه عبدي و أمتي، و لكن يقول: فتاي و فتاتي، و لا يقول المملوك ربّي و ربّتي، و لكن يقول سيّدي و سيّدتي» [٤] .
و كره مطرّف بن عبد اللّه، قول القائل للكلب: اللّهمّ أخزه.
و كره عمران بن الحصين، أن يقول الرّجل لصاحبه: «أنعم اللّه بك عينا» ؛ و «لا أنعم اللّه بك عينا» .
و قد كرهوا أشياء ممّا جاءت في الروايات لا تعرف وجوهها، فرأي أصحابنا: لا يكرهونها. و لا نستطيع الردّ عليهم، و لم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. و لو كانوا يروون الأمور مع عللها و برهاناتها خفّت المئونة، و لكنّ أكثر الروايات مجرّدة، و قد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، و دون الإخبار عن البرهان. و إن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة.
قال ابن مسعود و أبو هريرة [٥] : «لا تسمّوا العنب الكرم؛ فإنّ الكرم هو الرجل المسلم [٦] .
[١] . ١٣/سبأ: ٣٤.
[٢] . ٤٠/هود: ١١.
[٣] النهاية ٥/١٦.
[٤] أخرجه البخاري في العتق برقم ٢٤١٤، و مسلم في الألفاظ من الأدب برقم ٢٢٤٩.
[٥] النهاية ٤/١٦٧.
[٦] أخرج البخاري في الأدب برقم ٥٨٢٨: «لا تسمّوا العنب الكرم، و لا تقولوا: خيبة الدهر، فإن اللّه هو الدهر» ، و أخرجه مسلم في الألفاظ من الأدب برقم ٢٢٤٧، و أخرج البخاري برقم ٥٨٢٩ «و يقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن» .