الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٠٨ - الجهة الثّالثة البحث عن حقيقة الطّلب
المعنى بدون إيجاب و لا امتناع فى البين فإنّ الإيجاب و الامتناع هما من أحكام الوجود المجعول بحسب ذاته فيصح تكليف العبيد و في صورة المخالفة يصحّ العقاب و المؤاخذة عليه لكن لا بمناط أن له الإرادة و العلم فقط كما سمعه سيّدنا الأستاذ الأعظم من شيخه المحقّق الخراساني في درسه حيث قال: إنّ العقاب إنّما يصحّ بمناط علم المكلّف و إرادته. لكن ليس الأمر كذلك فإنّ أنواع الحيوان كلّها من ذوات الإرادة و الإدراك كما قرع سمعك في أبواب المنطق في تعريف الحيوان أنّه حسّاس متحرّك بالإرادة. بل بمناط أنّ للإنسان بخصوصه ميولا و رقائق متخالفة، ميولا إلى العوالم العلويّة و ميولا إلى السّافلات و التّنعمات الحيوانيّة و له جوهرة قدسيّة عاقلة قاضية تميّز به الخبيث من الطيب و الفساد من الصّلاح مع المؤيدات الخارجيّة من الكتاب السّماويّة و الأنبياء و المرسلين فيكون المناط لصحّة مؤاخذة الإنسان هو هذه القوّة القاضية الحاكمة بين الحقّ و الباطل.
و يدلّ على ما ذكرناه من أنّ للإنسان ميولا متخالفة من العلويّة و السفليّة قوله تعالى:
«إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا» و المشج بمعنى المختلط و الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاط من الرقائق و الميول العلوية و السفليّة، و اللّه اعلم. و يؤيّده أيضا بعض الأخبار الواردة بمضمون أنّ اللّه تعالى خلق فى قلب كلّ إنسان نقطتين؛ نقطة بيضاء و نقطة سوداء فإذا غلب عليه السعادة بواسطة الأفعال الحسنة و الصّفات الحميدة يغلب البياض على السّواد فيصير تمام القلب أبيض و إذا غلب عليه الشّقوة ينعكس الأمر. و هذا بخلاف ساير الأنواع فإنّها فاقدة للرقائق الملكوتيّة الرّوحانيّة و ليس لها إلّا الميول الحيوانيّة فليست مخلوقة من نطفة أمشاج هذا تمام الكلام في المقام مع رعاية جانب الاختصار و اللّه العالم.
الجهة الرّابعة: بعد ما عرفت حقيقة الطّلب و أنّه ليس الّا الوجود الاعتباريّ الإنشائيّ،
الانفعالى فى التبعيّة الوجودية الزّمانيّة. (المقرّر)