الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٨٢ - الكلام في الواجب الأصليّ و التّبعيّ
و هذا الإشكال مختصّ بالطّهارات الثّلاث و أمّا ساير المقدّمات الغير العباديّة فالمقدّميّة لا تتوقف فيها على قصد أمرها بل مقدّميّتها بذواتها فيترشّح الأمر إليها بملاك مقدّميّة ذواتها من دون إشكال فيه. هذا، و أنت بعد التّأمّل فيما ذكرناه تعلم أنّ هذا الإشكال ممّا لا سبيل إليه على ما ذكرناه و نحن- بحمد اللّه و توفيقاته- بمعزل عن ورود هذا الإشكال لما عرفت منّا أنّ استحقاق الثّواب للعبد إنّما يتوقّف على امتثال أمر المولى و أداء وظيفة عبوديّته كما هو مقتضى حكم العقل في امتثال الأمر النّفسيّ فإنّ العبد الّذي امتثل واجبه النّفسيّ محرّكا و منبعثا عن أمر المولى فالعقل يحكم بأنّه العبد الّذي يكون في مقام أداء وظيفة العبوديّة و هو مأجور مثاب عند اللّه تعالى، إمّا تفضّلا كما قلناه أو استحقاقا، و هذا الحكم العقليّ أو العقلائيّ ثابت بعينه في امتثال المقدّمات بقصد امتثال ذيها بدون احتياج إلى أمر على حدة غير ما تعلّق بنفس ذي المقدّمة فإنّ العبد الّذي يأتي بمقدّمات الواجب بما أنّه في طريق امتثال مولاه و في مقام أداء وظيفة عبوديّته مأجور و مثاب عقلا فإنّه يصدق عليه أنّه العبد الممتثل لأمر مولاه. إذا عرفت هذه المقدّمة فقد عرفت أنّ امتثال المقدّمات و قصد التقرّب بها لا يتوقّف على فرض الأمر المقدّمي كي يقال إنّ ترشّحه من الواجب النّفسي إنّما يكون بملاك المقدّميّة بل من الممكن جدّا قصد التّقرّب بها و لو قلنا بعدم الوجوب الغيريّ أصلا فإنّ التّقرّب بها كما عرفت لا يتوقّف على تعلّق الأمر بها بملاك المقدّميّة. و خلاصة المقال أنّ الإشكال في الطّهارات الثّلاث يمكن أن يقرّر على وجهين و يكون لكلّ واحد من الوجهين جواب برأسه.
أمّا الوجه الأوّل فهو من حيث ترتّب الثّواب على تلك المقدّمات مع ما عرفت أنّ الأوامر الغيريّة ممّا لا مثوبة و لا عقوبة عليها.
و أمّا الوجه الثّاني فهو من حيث إنّه يعتبر في تلك المقدّمات بخصوصها قصد التّقرّب و الامتثال فلا بدّ من تعلّق الأمر الغيريّ بالطّهارات بداعي أمرها فيأتي الإشكال المعروف في الواجبات التّعبّديّة من كون الأمر داعيا إلى داعويّة نفسه و لا يتأتّى فيه الجواب الّذي