الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٤٩ - الأمر الثّالث
بل يكون المكلّف معذورا حين الجهل و على كلا التّقديرين يكون إثبات أحد الوجهين موقوفا على لسان الأدلة من الأصول و الأمارات. و الّذي يستفاد في نظرنا أنّ الدّليل يقتضي و يدلّ على أنّ الإتيان بهذا العمل إتيان بالمأمور به حقيقة في ظرف الشّكّ و أنّ المأمور به في هذا الظّرف هو العمل الخالي من الجزء أو الشّرط أو الواجد للمانع.
أمّا قاعدة التّجاوز فليس لسانه إلّا أنّه إذا شككت في شيء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء أو كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو. و هكذا الحال في لسان أدلّة الاستصحاب فإنّ معنى لا تنقض اليقين بالشّكّ، هو أنّ الطهارة الكذائيّة هي الطهارة المأمور بها في ظرف الشكّ و أنّ الإتيان بالفعل الّذي كان شرطه أو جزءه أو عدم مانعة استصحابيّا إتيان بما هو المأمور به و أنّ من كان يصلّي من أوّل عمره إلى آخره بالطّهارة الاستصحابيّة مع عدم كشف خلافه فرضا يصدق عليه أنّه صلّى حقيقة بالصّلاة المأمور بها و لو مع عدم كونه طاهرا واقعيّا، لا أنّه ما صلّى في عمره أصلا و هكذا الكلام في حديث الرّفع فإنّ لسانه أيضا مشعر كمال الإشعار بعدم لزوم ما هو مشكوك الجزئيّة و الشّرطيّة أو مشكوك المانعيّة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّ مع حفظ المأمور به بمقدار المعلوم المتيقّن و إجراء البراءة في المشكوك. فلسان كلّها إنّما هو تعيّن المأمور به في ظرف الشّكّ من دون أن يكون في شيء من هذه الأدلة إشعار برفع التّكليف عن المكلّف الشّاكّ أصلا و جعله معذورا في صورة جهله، بل كلّها ظاهرة في توسعة التّكليف مع حفظ المأمور به. و هذا البيان في لسان قاعدة الحليّة و الطّهارة أوضح من أن يخفى فإنّ كلّ شيء طاهر أو كلّ شيء حلال لا يقول إنّ الصّلاة مع اللّباس المشكوك طهارته ليس بصلاة و أنت غير آت بالمأمور به بل يقول إنّك تعبّد بطهارة ثوبك في حال الجهل و معناه أنّه صلّ معه كما تصلّي في الثّوب الطّاهر الواقعيّ و هذا في الشّبهة الموضوعيّة أوضح من أن يخفى.
و أمّا في الشّبهة الحكميّة فكذلك أيضا فإنّ دليل رفع الجزئيّة و الشّرطيّة و المانعيّة، إنّما هو بلسان الحكومة و توسعة دائرة الطّبيعة المأمور بها كما أشرنا إليه في جريان البراءة