الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٥١ - الأمر الثّالث
فكيف تكون الأمارات حاكمة على الأصول كما قرّر في محلّه؟
قلت: لا بأس بالالتزام باتّحادهما في تلك النّتيجة، إلّا أنّ حكومة الأمارات على الأصول إنّما هي ببركة دليل اعتبار الأمارات، حيث إنّ لسان دليل الاعتبار في الأمارات هو البناء العمليّ على التّصديق العمليّ للعادل و لسان أدلة الأصول هو البناء العمليّ على فرض الشّكّ كما لا يخفى. هذا تمام الكلام في المورد الأوّل.
و أمّا الكلام في المورد الثّاني فليقرّر التّحقيق في ضمن الإيرادات و الأجوبة.
إن قلت: على ما ذكرتم و استظهرتم من أدلّة اعتبار الأصول و الأمارات و قلتم إنّ الظّاهر منها الإجزاء الواقعيّ و جعل النّاقص مصداقا حقيقيّا للمأمور به في ظرف الشّكّ في الواقع، يلزم تنويع الحكم بالنّسبة إلى الجاهل و العالم كتنويعه بالنّسبة إلى المضطرّ و المختار و إلى المسافر و الحاضر. كما يلزم أيضا تقييد الحكم الواقعيّ على ما هو عليه من الإطلاق بالحكم الظّاهريّ مع أنّ التّقييد في باب الإطلاق و التّقييد و كذا الحكومة أو التّخصيص في باب العامّ و الخاصّ من شئون التّعارض و التّعارض إنّما هو بين الحكمين لشيء واحد في مرتبة واحدة نظير أعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة فإنّه لما كان ظهور المقيّد في دخالة خصوصيّة الإيمان أقوى من ظهور تمام موضوعيّة المطلق في الحكم يقيّد به إطلاق المطلق.
و أمّا إذا فرضنا الحكمين في الرّتبتين المتغايرتين بأن يكون الشّك في أحدهما موضوعا في الآخر فكيف يعقل التّعارض كي يحكم بالتّخصيص أو الحكومة تنقيحا للمأمور به مضافا إلى أنّ هذا التّنقيح بالحكومة أو التّخصيص لا يكاد يعقل في الأحكام الّتي يكون الموضوع فيها الشّك في الواقع، فإنّه يلزم ألا يكون حكم ثابت في الواقع عند الشّكّ فيه و مع عدم الحكم كيف يعقل الشّكّ فيه و هذا ليس إلّا التّصويب الدّوريّ المحال في خصوص الشّبهة الحكميّة. مضافا إلى أنّ نفس الأدلّة الدّالّة على الأحكام الظّاهريّة إنّما تدلّ بظاهرها على وجود الحكم الواقعيّ الثّابت على الإطلاق حتّى عند الجهل به فإنّ الرّفع المستفاد منها إنّما هو الرّفع التّنزيليّ الامتنانيّ لا الرفع الحقيقيّ التّكوينيّ و معنى الرّفع الامتنانيّ هو الثّبوت