الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٥٣ - الأمر الثّالث
الأوامر و النّواهي لا يمكن إلّا بعد علم المكلّفين بتلك الأوامر و النّواهي إذ العلم و الإدراك إنّما هو في سلسلة علل الانبعاث فما لم يكن المكلّف عالما بأوامر المولى لا ينقدح في نفسه الشّوق و ما لم يكن مشتاقا لا ينقدح الجزم و العزم في نفسه فلم يكن مريدا فلم يكن منبعثا نحو الفعل. إن قلت: كيف لا ينبعث نحو الفعل في حال احتمال التّكليف كما هو في موارد الاحتياط؟ فإنّ الاحتياط هو الانبعاث نحو الفعل في حال عدم العلم بالواقع.
قلت: هذا الانبعاث ليس انبعاثا عن التّكليف و مستندا إليه بل هو انبعاث عن احتمال التّكليف و مستند إلى الاحتمال. و معلوم أنّ احتمال التّكليف بالقياس إلى وجود التّكليف واقعا و عدم التّكليف واقعا سيّان، و على كلّ حال باعثيّة الأمر و زاجريّة النّهي و مبعوثيّة المكلّف و مزجوريّته عن الأمر و النّهي يحتاج إلى العلم بوجود التّكاليف فإذا كان كذلك فلا محالة تكون إرادة المولى في الأوامر و النّواهي الفعليّة مقصورا على العالمين بالتكاليف قصرا قهريّا، و لو كان غرض المولى متعلّقا بالاعم من العالمين. و كذلك خطاب المولى لا يكون إلّا بعنوان عامّ يشترك فيه العالم و الجاهل إلّا أنّ إرادته الفعليّة تكون مقصورا على خصوص العالمين، حيث لا يمكن انبعاث الجاهل بالتّكاليف و لو كان غرضه الانبعاث مطلقا، سواء كان المكلّف جاهلا أو عالما، إلّا انّه لا يعقل تعلّق غرضه بانبعاث جميع المكلّفين من العالمين و الجاهلين بالتّكليف الواقعيّ بل لا بدّ و أن يتعلّق غرضه بانبعاثهم من احتمال التّكليف فلا بدّ له من إيجاب الاحتياط بخطاب آخر طريقيّ و ذلك الخطاب الطّريقيّ إنّما هو بداعي انحفاظ التّكليف الواقعيّ من التّفويت و المخالفة.
ثمّ إنّه ربّما يكون جعل الاحتياط موجبا للعسر و الحرج و الشّارع لا يرضى بالمشقّة الزائدة على المشقّة الّتي يقتضيها ذات التّكليف و لذلك ما جعل الشّارع ذلك الاحتياط لمصلحة التّسهيل. فتكون نتيجة ما ذكرناه أنّ التّكاليف الواقعيّة لا تصلح للباعثيّة إلّا للعالمين بها و هذا ليس إلّا ما ذكرناه و أجملناه أوّلا من أنّ الحكم الواقعيّ المشترك بين العالم و الجاهل هو الحكم الإنشائيّ الخطابيّ حيث لا يؤخذ في موضوع الخطاب عنوان العالمين و