الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ٢٦ - في الوضع
المتفرّقة بل يحتاج نفسها إلى الرّبط بالحمل الشّائع أيضا، كما عرفت في المثال، فما لا تنضمّ إلى المفاهيم المتشتّتة الرّوابط بالحمل الشّائع، كانت المفاهيم صرف التّصوّرات الذّهنيّة لا تحكي عن الخارج شيئا أصلا لا على نحو حكاية الجمل التّامّة و لا على نحو حكاية الجمل النّاقصة و لكن بعد الانضمام كانت القضيّة العقليّة حاكية عن الهيئة الخارجيّة و يصير السّير حينئذ مرتبطا إلى فاعله متناهيا بالبصرة و الكوفة.
فهذه الرّوابط كلّها مصاديق الرّبط و المعاني الحرفيّة هي هذه الرّوابط الحقيقيّة، أي الرّوابط بالحمل الشّائع، و الابتداء و الانتهاء و الصّدور ليس إلّا الرّوابط بالحمل الأوّليّ فلفظ الابتداء و الانتهاء و الصّدور مثلا موضوع للدّلالة على المفاهيم المنتزعة عن طرفي السّير الملحوظة استقلالا في اللّحاظ الثّانوي فيكون معنى اسميّا إلّا أنّ المعاني الاسميّة تارة من قبيل الأمور الانتزاعيّة كما في معاني الابتداء و الانتهاء و الصّدور و أخرى من الأمور الحقيقيّة أي لها وجود خارجيّ في الأعيان كالكوفة و البصرة و الفاعل و السّير، فلفظ الابتداء و الانتهاء و الصّدور موضوع بإزاء تلك المعاني الانتزاعيّة.
و أمّا لفظ «من و إلى» فموضوعان للدّلالة على الخصوصيّة الفانية في الطّرفين و تلك الخصوصيّات لم تلاحظ بنفسها لفرض فنائها في الغير و بذلك يظهر ما في كلام بعض المحقّقين من أنّه لا فرق بين الأسماء و الحروف إلّا باشتراط الغيريّة حين استعمال الحروف و اشتراط الاستقلاليّة في الأسماء حين استعمالها فلا فرق بين من و ابتداء و لا بين إلى و انتهاء فرقا حقيقيّا ذاتيّا. لأنّك خبير بأنّ الأوّليّة و الآخريّة و الابتداء و الانتهاء إنّما هي من المفاهيم المتحصّلة المستقلّة في اللّحاظ و منتزعة من انقطاع طرفي السّير الموجود في الخارج و انتزاعها إنّما هو في اللّحاظ الثّانوي.
و أمّا عند ملاحظة نفس السّير الّذي وقع في الخارج لا يمكن انتزاع تلك المفاهيم و تعقّلها مستقلّا.
فهذا اللّحاظ الأوّلي ظرف عدم إمكان تعقّل مفاهيم الابتداء و الانتهاء و الأوّليّة و