الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٠٦ - الجهة الثّالثة البحث عن حقيقة الطّلب
الطّوسىّ (قدس سرّه) القدوسيّ و دفع ما ربما يرد عليه و بيان أنّه الحقّ في الجواب و الدّافع عن الإشكال ليس إلّا. قال (قده) في كتاب نقده: إنّ العلم تابع للمعلوم و حينئذ لا يكون مقتضيا للوجوب و الامتناع كي يصير العباد مقهورين في أفعالهم.
هذا ملخّص كلامه و قد أشكل عليه بعض المتأخّرين عنه بأنّ القول بتابعيّة العلم للمعلوم لا يجري إلّا في العلوم الانفعاليّة الحادثة الّتي تكون المعلومات علّة للعلم و لا يصحّ ذلك في العلوم القضائيّ الرّبّانيّ لأنّه علّة للمعلومات الخارجيّة و سبب وجود الاشياء و السّبب لا يكون تابعا للمسبّب في الوجود. هذا، و لكن هذا الاشكال لما كان بمثابة من الوضوح، بحيث ما كان يحتمل أنّه يعزب عن حيطة نظر المحقّق الطّوسيّ (قده) مع فرط إحاطته بالعلوم العقليّة، فلا بدّ من توجيه كلامه و توضيح مراده (قده) فنقول:
لا شبهة في أنّ للأشياء الواقعة في سلسلة النّظام الأتمّ من الموجودات الإمكانيّة تأثيرات و تأثّرات مخصوصة بعضها من بعض لأنّها و إن كانت ممكنات إلّا أنّها موجودات و قد برهن في محلّه أنّ التّأثير و التّأثّر في الوجود، لا نقول ان لتلك الموجودات الإمكانيّة عليّة تامّة بحيث يكون كلّ منها مستقلّ في العليّة و الفاعليّة، بل نقول إنّ لها أي لكلّ منها خواصّ ذاتيّة مخصوصة و إلّا يلزم تاثير كلّ شيء في كلّ شيء.
و هذا لا ينافي مجعوليّة الموجود و مبدئيّة الحقّ الأوّل لوجود الموجودات الإمكانيّة أو أنّه تعالى عالم بجميع الكائنات المترتّبة المتسلسلة على الوجه الأحسن الأكمل بالعلم الإيجابيّ الفعليّ إلّا أنّ للماهيّات الممكنة أيضا بعد جعل وجودها بالجعل البسيط خصوصيّات و آثار مترتّبة عليها و تكون تلك الخصوصيّات ذاتيّة لتلك الماهيّات الموجودة غير مجعولة و لذلك كما أنّ الحكماء قائلون بمجعوليّة الوجود و مفاضيّته، كذلك قائلون أيضا بالعليّة و المعلوليّة في سلسلة نظام الوجود فكلّ موجود، مع أنّ وجوده مفاض و مجعول عن المبدا على التّرتيب الكامل، له آثار خاصّة و خواصّ ذاتيّة غير قابلة للجعل فيؤثّر في معلوله بتلك الخواصّ الذّاتيّة و لذلك أيضا كانت السّنخيّة بين العلّة و المعلول أمرا محتوما