الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٠٩ - الجهة الثّالثة البحث عن حقيقة الطّلب
فاعلم أنّ هذا الأمر الاعتباريّ حقيقته هو البعث و الإغراء نحو المطلوب و بيانه أنّ المريد لوجود شيء في الخارج قد يتعلّق إرادته بإتيان الفعل مباشرة فإرادته تكون مبدأ لتحريك عضلاته و آلاته نحو المطلوب خارجا فيوجده و يحقّقه في الخارج و قد يتعلّق إرادته بإيجاد الغير مطلوبه و يبعثه نحوه فكأنّه يستخدمه و يجعله كعضلاته و آلاته الفعّالة فيحرّكه نحوه كتحريك عضلاته نحو الفعل في المباشرة.
و هذا البعث الإنشائيّ عبارة عن حقيقة الطّلب الجامع بين الوجوب و النّدب، بداهة أنّه قبل هذا البعث أي قبل جعل الغير بمنزلة عضلاته الفعّالة لا يصدق على الامر أنّه طلب منه و لا على المأمور به أنّه المطلوب و لا على المأمور أنّه المطلوب منه، فكلّ هذه المفاهيم إنّما تنزع عن نفس هذا البعث الإنشائيّ الاعتباريّ.
و بعد ذلك فالطّلب ينقسم إلى قسمين: طلب إلزاميّ إيجابيّ و طلب ندبيّ استحبابيّ. و الكلام الآن في بيان ما به يمتاز كلّ منهما عن الآخر.
فنقول: امتياز الشّيء عن الشّيء إمّا بتمام الذّات بدون فرض جزء مشترك بينهما أو يكون الامتياز ببعض الذّات و هو ما يمتاز بالفصل الّذي هو جزء الذّات عن الحقائق الّتي يشترك معها في الجنس أو بمنضمات و عوارض غريبه أو بالزّيادة و النّقصان و الشّدّة و الضّعف كالخطّين المتمايزين بالطّول و القصر أو كالبياض للعاج و البياض للثّلج و في القسمين الأخيرين كان ما به الامتياز عين ما به الاشتراك.
و أمّا امتياز الأمر الوجوبيّ مع الاستحبابيّ فإمّا يلاحظ الامتياز بينهما بالقياس إلى مباديهما، أي يلاحظ مبدأ الوجوب بالقياس إلى مبدإ الاستحباب، فلا شكّ أنّ مبدأ هما هو الإرادة و الامتياز بين الإرادة الإيجابيّة و الإرادة الاستحبابيّة ليس من قبيل الأوّل أي لا يكون بتمام الذّات و لا من قبيل الثّاني فلا يكون بجزء الذّات أيضا إن كان الفصل فيهما هو المنع من التّرك بمعنى الكراهة على التّرك أو الرّضاية إلى التّرك كما هو المعروف بين القدماء إذ الكراهة على التّرك في الإرادة الوجوبيّة و الرّضاية إليه في الإرادة الاستحبابيّة ليس