اثبات الوصية - المسعودي، علي بن الحسين - الصفحة ٨٠ - بعث اللّه عز و جل المسيح عيسى بن مريم
و يروى (بانقيا) و هي اليوم تعرف بالنخيلة. و فيها عظام هود و شعيب و صالح و عدّة من الأنبياء و الأوصياء (عليهم السّلام) فاشتد بها الطلق فاستندت الى جذع نخلة نخرة قد سقط رأسها فولدته فاخضرت النخلة من وقتها و أثمرت و أينعت و سقط منها على مريم رطب جني، و كان فيما روي في كانون من زمان الشتاء فلذلك تطعم النفساء التمر و الرطب.
و اشتد خوفها من زكريا و من خالتها و كانت امها حنة قد ماتت و كفلتها ايساع حتى قالت يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا و روي انّها قالت يا ليتني قبل أن أرى في بني اسرائيل ما قد رأيت من الافتتان بسبي و باتهامهم لي إشفاقا منهم فناداها عيسى (عليه السّلام) أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا يعني نفسه و «هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا» ثم ضرب برجله فانبعث من تحت رجله عين ماء جار فقال لها «كلي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً» أي صمتا «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا».
فطابت نفسها و أكلت و شربت ثم حملته و رجعت الى الشام و كان مجيئها من الشام الى الكوفة و رجوعها في ثلاثة أيام فلقيها زكريا (عليه السّلام) و معه خالتها فكلّماها فأشارت إليه ان كلمهما فانطقه اللّه حتى «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا» إلى قوله «وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» فطابت نفس زكريا و ايساع خالتها و ظهرت حجّتهم عند أهل بيتهم و عند الناس.
فأقبلت الى منزلها و قد حملت عيسى (عليه السّلام) على صدرها فخرج من عواتق القرية سبعون عاتقا فقلن لها قد «جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا» ... الآية، فأشارت إليه، فقال عيسى (عليه السّلام) لهن:
يا ويلكن ا تفترين على أمي، اني عبد اللّه ... إلى قوله «ما دُمْتُ حَيًّا».
و تكلّم بالحكمة ثم صمت بعد ذلك الى أن أذن اللّه له بالكلام و روي انّه بعد ذلك بسبع سنين و روي بعد أربع سنين فأوتي الحكمة فأخبرهم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم.
و روي أن إبليس مضى في طلبه في وقت ولادته فلما وجده وجد الملائكة قد حفّت به فذهب ليدنو فصاحت به فقال: من أبوه؟ فقالوا له: مثله كمثل آدم. فقال: و اللّه لأضلّن به أربعة أخماس الخلق.