اثبات الوصية - المسعودي، علي بن الحسين - الصفحة ١٣٥ - كفالة ابي طالب للنبي
و وصّاه به، و قال له: يا بني هذا فضل من اللّه عليك و منحة و هدية مني إليك الهمنيه في أمرك و هو ابن أخيك لأبيك و أمّك دون ساير اخوانك ثم اطلعه على مكنون سر علمه و دلائله و أخبره بما بشّر به عن الأنبياء و المرسلين (صلّى اللّه عليهم)، و ما رواه فيه أفاضل الأحبار، و عبّاد الرهبان، و أقيال العرب و كهّان العجم.
و لم يكن لأبي طالب يومئذ ولد، و كان فردا وحيدا، امرأته فاطمة بنت أسد بن هاشم ابن عبد مناف بنت عمه و كانت ممنوعة من الولد تنذر لذلك النذور، و تتقرّب الى الأصنام و تستشفع بالأزلام الى الرحمن و تعتر العتائر، و تضخ وجوه الأصنام، بذكي المسك و خالص العنبر، تطلب الولد. و كانت كلّما لقيت كاهنا أو حبرا عالما من السدنة بشّرها انها تبتني ولدا لم تلده و تربيه و يأمرها إذا رزقته أن تضمّه و تكنفه و تحفظه و لا تبعده فتسألهم أن يسمّوه و يصفوه لها فيقولون ذاك نور منير بشير نذير مبارك في صغره منبئ في كبره، يوضح السبيل، و يختم الرسل، يبعث بالدين الفاضل و يزهق العمل الباطل، يظهر من أفعاله السداد و يتبيّن باتّباعه الرشاد، و ينهج اللّه له الهدى، و يبيّن به التقى.
فكانت فاطمة بنت أسد ترقب ذلك و تنتظره. فلما طال انتظارها، و ذهل اصطبارها، أنشأت تقول:
طال الترقّب للميعاد إذ عدمت* * * مني الحوائل ولدا من عناصيري
لما أتيت الى الكهّان بشّرني* * * عند السؤال عليم بالمخابير
فقال يوعدني و الدمع مبتدر* * * يا فاطم انتظري خير التباشير
نورا منيرا به الأنباء قد شهدت* * * و الكتب تنطق عن شرح المزامير
انى بذاك فقد طال الطلاع الى* * * وجه المبارك يزهو في الدياجير
فلما مات عبد المطلب كفل أبو طالب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأحسن كفالة، و حن عليه، و دأب في حياطته و تمسّك به و التحف عليه و عطف على جوانبه.
و كان أبو طالب محترما معظّما كشّافا للكروب غير هذر و لا مكثار و لا عاق بل بر وصول، جواد بما يملك، سمح بما يقدر، لا يثنيه عن مبادرة الخطاب وجل، و لا يدركه لدى الخصام ملل، فشغف برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شغفا شديدا. و ولهت بحبّه فاطمة بنت أسد