اثبات الوصية - المسعودي، علي بن الحسين - الصفحة ١٥٩ - الحسن السبط
أخبرتكم مرّة أخرى انّه لا وفاء لكم و لا ذمّة و لا خير عندكم و أنّكم عبيد الدّنيا. و اني موجّه مكانه رجلا و إني لأعلم انّه يفعل فعل صاحبه غير مفكّر في عاقبة أمره و مرجعه و لا مراقب للّه في دينه.
و بعث رجلا من (مراد) في أربعة آلاف و تقدّم إليه بمشهد من الناس و حذّره الغدر و النكث.
فلما صار الى الأنبار أتاه رسول معاوية بمثل ما أتى الكندي من الصلة و المواعيد، فتوجّه إليه مؤثرا لدنياه على آخرته و بايعا دينه بالتافه القليل الفاني و مختارا على الجنّة.
فقام أبو محمّد (عليه السّلام) خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: قد عرفتكم انّكم لا تفون بعهد و لا تستيمنون الى عقد، و قد غدر المرادي الذي اخترتموه و قبله ما اخترتم الكندي. فقام أناس فقالوا ان كان الرجلان غدرا فنحن ننصح و لا نغدر.
فقال لهم: كلّا و اني أعذر بيني و بينكم مع علمي بسوء ما تبطنون و تنطوون عليه، و موعدكم عسكري بالنخيلة.
ثم خرج، فعسكر بالنخيلة و أقام به عشرة أيام، فلم يلحق به منهم إلّا عدد يسير، فانصرف الى الكوفة و قام خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: يا عجبا من قوم لا حياء لهم و لا دين .. من غدرة بعد غدرة. أما و اللّه لو وجدت أعوانا لقمت بهذا الأمر أي قيام، و نهضت به أي نهوض، و أيم اللّه لا رأيتم فرجا و لا عدلا أبدا مع ابن آكلة الأكباد و بني أمية و ليسومنكم سوء العذاب حتى تتمنّوا أن يليكم عبد حبشي مجدع، فأفّ لكم و بعدا و ترحا يا عبيد الدنيا و موالي الحطام.
ثم نزل و هو يقول: و اعتزلكم و ما تدّعون من دون اللّه.
فاتبعه من شيعة أمير المؤمنين (عليه السّلام) عدد يسير إشفاقا عليه و حقنا لدمه. و غلب ابن آكلة الأكباد على الملك مدّة أيام أبي محمّد (عليه السّلام) و أظهر من اللباس و الزي و الفرش و الاثاث مثل ما كانت ملوك الأعاجم تفعله و كان من أمره ما قص و روي و سارت الركبان بخبره.
و من دلايل أبي محمّد (عليه السّلام) ما روي انّه خرج الى مكّة في بعض السنين ماشيا حتى