اثبات الوصية - المسعودي، علي بن الحسين - الصفحة ٢٣٤ - علي الهادي
طريقنا؛ منها: انا نزلنا منزلا لا ماء فيه فاشفينا و دوابنا و جمالنا من العطش على التلف، و كان معنا جماعة و قوم قد تبعونا من أهل المدينة، فقال أبو الحسن (عليه السّلام): كأنّي أعرف على أميال موضع ماء.
فقلنا له: ان نشطت و تفضلت عدلت بنا إليه و كنّا معك.
فعدل بنا عن الطريق فسرنا نحو ستة أميال فأشرفنا على واد كأنّه زهو الرياض فيه عيون و أشجار و زروع و ليس فيها زارع و لا فلّاح و لا أحد من الناس فنزلنا و شربنا و سقينا دوابنا و أقمنا الى بعد العصر ثم تزوّدنا و ارتوينا و ما معنا من القرب و رحنا راحلين. فلم نبعد ان عطشت و كان لي مع بعض غلماني كوز فضة يشدّه في منطقته و قد استسقيته فلجلج لسانه بالكلام و نظرت فاذا هو قد أنسي الكوز في المنزل الذي كنّا فيه فرجعت أضرب بالسوط على فرس لي جواد سريع و أغذ السير حتى أشرفت على الوادي فرأيته جدبا يابسا قاعا محلا لا ماء فيه و لا زرع و لا خضرة و رأيت موضع رحالنا و روث دوابنا و بعر الجمال و مناخاتهم و الكوز موضوع في موضعه الذي تركه الغلام، فأخذته و انصرفت، و لم أعرفه شيئا من الخبر.
فلما قربت من القطر و العسكر وجدته (عليه السّلام) واقفا ينتظر فتبسّم (صلّى اللّه عليه) و لم يقل لي شيئا و لا قلت له سوى ما سأل من وجود الكوز فأعلمته اني وجدته.
قال يحيى: و خرج في يوم صائف آخر و نحن في ضحو و شمس حامية تحرق فركب من مضربه و عليه ممطر، و ذنب دابته معقود و تحته لبد طويل فجعل كلّ من في العسكر و أهل القافلة يضحكون تعجبا و يقولون: هذا الحجازي ليس يعرف الري، فما سرنا أميالا حتى ارتفعت سحابة من ناحية القبلة و أظلمت و أظلتنا بسرعة و اتى من المطر الهاطل كأفواه القرب، فكدنا أن نتلف و غرقنا حتى جرى الماء من ثيابنا الى أبداننا و امتلأت خفافنا، و كان أسرع و أعجل من أن يمكن أن نحط و نخرج اللبابيد فصرنا شهرة و ما زال (عليه السّلام) يتبسّم تبسما ظاهرا تعجبا من أمرنا.
قال يحيى: و صارت إليه في بعض المنازل امرأة معها ابن لها أرمد العين و لم تزل تستذلّ و تقول: معكم رجل علوي دلّوني عليه حتى يرقي عين ابني هذا.