اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب و الفضائل - القلقشندي، محمد بن عبد الله - الصفحة ١٠٤ - مناقشة قول ابن القيّم
هو (صلّى اللّه عليه و آله) في حياتها فكان في صحيفتها [١].
قال: و كنت أقول ذلك استنباطا إلى أن وجدت الإمام ابن جرير الطبري نصّ عليه، فأخرج عن طريق فاطمة بنت الحسين بن علي، عن جدّتها فاطمة قالت:
دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما و أنا عند عائشة، فناجاني فبكيت، ثمّ ناجاني فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لا أخبرك بسرّه، فلمّا توفّي سألتني [٢]، فذكرت الحديث في معارضة جبرئيل له بالقرآن مرّتين، و أنّه قال: أحسب أنّي ميّت في عامي هذا، و أنّه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثلها رزيّة، فلا تكوني دون امرأة منهنّ صبرا، فبكيت، فقال: أنت سيدة نساء أهل الجنّة إلّا مريم، فضحكت [٣].
و أمّا ما أخرجه الطحاوي [٤] و غيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) من مكّة و في آخره: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): هي أفضل
العقب، و لم يحصل لهنّ ذرّية بعد ذلك، و لذا عبّر ابن حجر: أنّها ذرّية المصطفى دون غيرها من بناته. و سيأتي ذلك في آخر الباب الرابع.
[١]. هذا دليل آخر من ابن حجر على أفضليتها على أخواتها، و هو أنّها تجرّعت ألم فقد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أصيبت به دونهنّ، لأنّهنّ متن في حياته، فكان ذلك في صحيفتها.
و قد تبعه عليه كثير من المحقّقين؛ كالعلّامة المناوي في فيض القدير ٤: ٤٢٢ شرح الحديث رقم ٥٨٣٥، الّذي ذكر دليلا آخر على تفضيلها على بقية أخواتها، و هو أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خصّ فاطمة بالبضعة دون بقية بناته، فلم ينقل أحد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «بضعة منّي» لغير فاطمة، و هذا أمتن الأدلّة لتفضيلها على أخواتها و غيرهنّ، بل مطلقا.
[٢]. في المصدر: «سألت».
[٣]. فتح الباري ٧: ٤٧٧ باب: مناقب فاطمة، شرح الحديث رقم ٣٧٦٧ و قال: «و أصل الحديث في الصحيح من دون هذه الزيادة: «إلّا مريم». و قد تقدّمت مصادر الرواية، و جميعها من دون عبارة «إلّا مريم»، هذا و رواه المناوي في فيض القدير ٤: ٤٢٢ في شرح الحديث رقم ٥٨٣٥ و قال في آخره: «قال الحاكم: صحيح، و أقرّه الذهبي، و رواه أحمد و الطبراني، و قال ابن حجر: و إسناده حسن، و إذا ثبت ففيه حجّة».
[٤]. هو الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الأزدي المصري الشافعي، ولد سنة ٢٢٩ ه، و توفّي سنة ٣٢١ ه، عاصر كلّا من البخاري و الترمذي و النسائي و ابن ماجة، و شاركهم في رواياتهم عن المشايخ، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر في زمانه، له مصنّفات كثيرة، منها: مشكل الآثار، شرح معاني الأخبار، أحكام القرآن. ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٥: ٢٧ رقم ١٥.