الأصول الستة عشر من الأصول الأولية - المحمودي، ضياء الدين (محقق) - الصفحة ١٢٨ - المجموعة الأولى كتاب الزراد
شيء كان على عنقه ، ولا أيّ شيء سقط منها ؛ لهوانها عليهم ، فهم الخفيُّ عيشُهم ، المنتقلة ديارُهم من أرض إلى أرض ، الخميصة بطونُهم من الصيام ، الذابلة [١] شفاهُهم من التسبيح ، العُمْش العيون من البكاء ، الصُفْر الوجوه من السهر ، فذلك سيماهم مثلاً ضربه الله [٢] في الإنجيل لهم ؛ وفي التوراة والفرقان والزبور والصحف الأُولى ، وَصَفهم ، فقال : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ ) [٣] عنى بذلك صُفْرة وجوههم من سهر الليل .
هم البررة بالإخوان في حال اليسر والعسر [٤] ، المؤثرون على أنفسهم في حال العسر ، كذلك وصفهم الله ، فقال : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [٥] فازوا - والله - وأفلحوا ، إن رأوا مؤمناً أكرموه ، وإن رأوا منافقاً هجروه .
إذا جنّهم الليل اتّخذوا أرض الله فراشاً ، والتراب وساداً ، واستقبلوا بجباههم الأرض يتضرّعون إلى ربّهم في فكاك رقابهم من النار ، فإذا أصبحوا اختلطوا بالناس لم يُشَر إليهم بالأصابع . تنكّبوا الطرق ، واتّخذوا الماء طيباً وطهوراً . أنفسهم متعوبة ، وأبدانهم مكدودة [٦] ، والناس منهم في راحة .
فهم عند الناس شرار الخلق ، وعند الله خيار الخلق ؛ إن حدّثوا لم يُصدَّقوا ، وإن خطبوا لم يُزوَّجوا ، وإن شهدوا لم يُعرفوا ، وإن غابوا لم يُفقَدوا [٧] . قلوبهم خائفة وَجِلة من الله ، ألسنتهم مسجونة [٨] ، وصدورهم وعاء لسرّ الله ؛ إن وجدوا له أهلا نبذوه إليه
[١] في " ح " : " الذّبلة " .
[٢] في " س " و " ه " : " ضربه الله مثلا " .
[٣] الفتح ( ٤٨ ) : ٢٩ .
[٤] في " س " و " ه " : " العسر واليسر " .
[٥] الحشر : ٩ .
[٦] في " م " : " مكدورة " .
[٧] كذا . والمناسب للمقام هو : " لم يُفْتَقَدوا " أو " لم يُتَفَقَّدوا " .
[٨] في " ح " : " مشحونة " . واحتمال مشجونة ليس ببعيد .