علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٥٨
من كل ما تقدم ندرك أن البلاغة العربية منذ أن تولّاها في القرن السابع الهجري أمثال الفخر الرازي و السكاكي لم يدخل على مباحثها مباحث جديدة تثريبها و تبقيها مطّردة النمو و الازدهار. و لعلّ سبب ذلك هو ما ران و غلب على العصور المتأخرة من أعراض الجمود الفكري التي لم تصب البلاغة وحدها و إنما تجاوزتها إلى الأدب شعرا و نثرا.
لقد تلقف السكاكي البلاغة العربية التي صنعتها الأجيال السابقة من عبد القاهر و الزمخشري و هي زاخرة بالحيوية و الحياة مشرقة بالجمال، و كان عليه أن يسلمها إلى من بعده أكثر حيوية و حياة و إشراقا حتى يستمر نموّها و ازدهارها.
و لكنه بدل ذلك انكبّ عليها بعقليته العلمية يصوغها و يصبّها و يحصرها في قوالب فلسفية منطقية هادفا من وراء محاورته إلى جمع قواعدها و تبويب مباحثها، و وضع المعالم و الحدود المميزة لعلومها.
و لعلّه كان يظن أنه بذلك يسدي إلى البلاغة أجلّ صنيع، و ما درى أن محاولته كانت من أهم الأسباب التي قيدت البلاغة و حدّت من نشاطها و حيويتها و انتهت بها تدريجيا إلى حال من الذبول و الجفاف.
و لو وقف الأمر بالبلاغة عند صنيع السكاكي لقلنا عثرة على طريقها ستنهض منها، و لكن جاء بعده من نظروا إلى ما أتى به السكاكي على أنه البلاغة فالتزموا به و عكفوا عليه درسا و حفظا، و تلخيصا و شرحا و نظما، مستخدمين في كل ذلك طرائق تقيد العقول بدل أن تحررها، و تقضي على الأذواق و المواهب و الملكات بدل أن ترقى بها و تنمّيها ...!!
و بعد ... فهذا عرض لنشأة علم البيان و تطوره منذ بدأ في العصر