علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٣
«أسرار البلاغة» الذي وضع فيه نظرية علم البيان بقواعده و شعبه و تفريعاته الكثيرة. و الحق يقال إنّه فريد في بابه، فهو بحث في البيان العربي غير مسبوق و لا ملحوق، و إنّه ليدل فيما يدل على ألمعية صاحبه، و غزارة علمه، و سلامة ذوقه، و عقليته الجبارة المبتكرة.
و «أسرار البلاغة» باستثناء ما ورد فيه عن الجناس، و السجع، و الاتفاق في الأخذ و السرقة عند الشعراء، هو بحث أصيل عميق في أصول علم البيان من حقيقة و مجاز، و استعارة، و تشبيه. و إذا كان لم يتكلم فيه عن الكناية، فإنّه قد استوفى الكلام عنها في كتابه الآخر «دلائل الإعجاز»، كما عرض فيه أيضا لبعض جوانب من الاستعارة، و للمجاز الحكمي «العقلي» الذي اهتدى إليه بذوقه الكلامي و عدّه ضربا جديدا من المجاز.
و عبد القاهر ينظر إلى المجاز و الاستعارة و التشبيه و الكناية على أنّها عمد الإعجاز و أركانه، و الأقطاب التي تدور البلاغة عليها. و عنها يقول:
«و لم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلّا ذكرها، و جعلها العمد و الأركان فيما يوجب الفضل و المزية، و خصوصا الاستعارة و المجاز، فإنّك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، و أوّل ما يوردون» [١].
و ليس من غرضنا هنا التوسع بعرض مجمل آراء عبد القاهر في مباحث علم البيان فهذا أمر يطول شرحه، و إن كنّا سنعرض فيما بعد لبعض آرائه عند دراستنا التفصيلية لفنون البيان من مجاز و استعارة و تشبيه و كناية.
إنّما الغرض الآن أن نبين المنهاج الذي رسمه لنفسه في البحث
[١] انظر دلائل الإعجاز. ص: ٣٢٩- ٣٣٠.