علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٢٤
عن القدماء و أهل الجاهلية من كل جيل ما يستدل به على شرفه و فضله و موقعه من البلاغة بكل لسان. فمن ذلك ما قاله صاحب كليلة و دمنة:
الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. و قال: لا يخفى فضل ذو العلم و إن أخفاه كالمسك يخبا و يستر، ثم لا يمنع ذلك رائحته أن تفوح. و قال: الأدب يذهب عن العاقل السكر و يزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصرا و يزيد الخفاش سوء بصر» [١].
و من مقاصد التشبيه إفادة المبالغة، و لهذا قلّما خلا تشبيه مصيب عن هذا القصد. و لكن ينبغي ألّا يؤدي الإغراق في المبالغة إلى البعد بين المشبه و المشبه به أو إلى عدم الملاءمة بينهما، و إلّا ارتدّ التشبيه قبيحا.
و يعبّر عبد القاهر الجرجاني عن مدى أثر التشبيه في التعبير عن المعاني المختلفة بقوله [٢]: «فإن كان- التشبيه- مدحا كان أبهى و أفخم و أنبل في النفوس و أعظم، و أهزّ للعطف و أسرع للإلف، و أجلب للفرح و أغلب على الممتدح ...، و أسير على الألسن و أذكر، و أولى بأن تعلقه القلوب و أجدر.
و إن كان ذمّا كان مسه أوجع و ميسمه [٣] ألذع، و وقعه أشدّ وحدّه أحدّ. و إن كان حجاجا كان برهانه أنور، و سلطانه أقهر، و بيانه أبهر. و إن كان افتخارا كان شأوه [٤] أبعد، و شرفه أجدّ و لسانه ألدّ. و إن كان اعتذارا
[١] كتاب الصناعتين ص ٢٤٣- ٢٤٤.
[٢] أسرار البلاغة ص ٩٣- ٩٦.
[٣] الميسم بكسر الميم: الآلة التي يكوى بها و يعلم.
[٤] الشأو: الأمد و الغاية، و شرفه أجد: أعظم، و الألد: الشديد الخصومة.