علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٧
بالأمثلة و الشواهد التي تفصّلها و توضحها، إدراكا منه بأنّ التعليم النافع إنما يكون بقرن الصور المفصلة بالصورة المجملة، إذ بالتفصيل تعرف المسائل، و بالإجمال تحفظ في العقل.
و بهذه الطريقة امتاز كتاباه على كتب البلاغة الأخرى التي اقتصرت على سرد القواعد بعبارات اصطلاحية تأباها بلاغة الأساليب العربية، و التي لا تذكر من الشواهد و الأمثلة إلّا القليل النادر الذي أدلى به السابق إلى اللاحق.
الزمخشري:
ثمّ ظهر بعد عبد القاهر الجرجاني عالم آخر كان له أثر كبير في ميدان البلاغة العربية و نهضتها.
ذلك هو العالم المعتزلي جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ للهجرة، و الذي ضرب بسهم وافر في علوم العربية و التفسير، و له فيها المؤلفات القيّمة التي تشهد بفطنته وسعة علمه.
و من مؤلفاته التي وصلت إلينا «المفصل» في علم النحو، و «مقات الزمخشري» في التصوف، و «أساس البلاغة» و هو معجم لغوي يورد فيه المعاني اللغوية للكلمة، موضحا إياها في عبارات، و مردفا ذلك بمعانيها المجازية، و لكن أهم كتاب اشتهر به منذ عصره هو «الكشاف» الذي قدّم فيه صورة رائعة لتفسير القرآن، و أشاد به حتى أهل السنة على الرغم من اعتزال مؤلفه.
و اهتمام المعتزلة بتفسير الإعجاز البلاغي للقرآن اهتمام قديم، فقد كتب فيه من رجالهم الجاحظ و الرماني و عبد الجبار المعتزلي ثمّ الزمخشري الذي أقبل بشغف على الدراسات البلاغية و لا سيما كتابات عبد القاهر